يموج العالم من أقصاه إلى أدناه بالاحتجاجات والمسيرات والمظاهرات، ولم يستثن عالم متقدم أو متأخر من ذلك، والعامل الجامع بين كل تلك المظاهر التي تزامنت في فترة زمنية واحدة هو الحصول على فرصة عمل مناسبة تساهم في حل كافة المشكلات التي تواجه الفرد الإنسان لتلبية متطلبات حياته العادية. فإذا كان همنا ينصب على العالم العربي فإن المطلوب على وجه السرعة إيجاد 85 مليون فرصة عمل لمواطنيه، وهو ما يمثل قرابة ثلث سكان الوطن العربي، الذي يبلغ تعداد أفراده قرابة ثلاثمائة مليون نسمة. لأن من لا يعمل معرض دائماً للاختطاف من قبل أي تيار يستغل ضعفه وقلة حيلته وكثرة احتياجاته المعيشية، للعمل باتجاه معاكس لأهداف المجتمع الذي ينتمي إليه، هذا إن لم يتكسب اضطراراً في المحرمات التي تفتحت أبوابها لانفتاح العالم بعضه على بعض. فالعيش الكريم من متطلباته الوظيفة أو العمل المناسب الذي يساعد العامل على تحقيق ذلك الهدف من الحياة الراقية ولا نعني بذلك الرفاهية، بل الحصول على الضرورة الملحة ولكن بأسلوب بعيد عن المهانة والإذلال. إننا أمام معادلة حياتية لابد من التعامل معها بحكمة واقتدار، فما حصل إلى الآن من تغييرات في أجزاء من العالم العربي كان العمل الشريف هو المطلوب الرئيسي للمحتجين وليس تغيير الأنظمة لذاتها، وهو عينه ما يحدث اليوم في أميركا واليونان وبريطانيا وغيرها من البلدان، بعد أن أوصلت الأزمة المالية الألم لدى البعض إلى العظم وتخطى النخاع، بعد أن فقد الآلاف وظائفهم التي كانت ولا زالت، سلاحهم للعيش بسلام مع أنفسهم أولاً ومن ثم يلامس ذلك مجتمعاتهم. حتى سياسات الدول بدأت تتقاطع خطوطها بهذا الاتجاه، فأوباما على رأس الهرم العالمي حريص في حظوظ فوزه بولاية ثانية على مدى نجاحه في توفير فرص وظيفية أكبر لتقليل نسب البطالة في دولته، وقس على ذلك في بلدان أوروبية أخرى كإسبانيا واليونان وإيطاليا وغيرها من تأثرت اقتصاداتهم بالأزمة الاقتصادية العالمية. فكل الخارجين إلى الطرقات والساحات العامة يطالبون بوظيفة محترمة تساعدهم في العودة إلى أعمالهم ومساكنهم والأماكن الصحيحة لتواجدهم للنماء والبناء ومزيد من العطاء بدل القيام بأعمال التخريب من حرق للمركبات أو المباني أو غير ذلك، مما يساعد في تدهور الأوضاع بدل إصلاحها عبر خطط استراتيجية سليمة تؤصل لحق الإنسان أينما كان في العمل لأنه مقدس مهما كان نوعه أو درجته في السلم الإداري لأي مجتمع. فالحصول على فرصة عمل لم يعد أمراً شخصيّاً، بل هو جزء لصيق بنمو الاقتصاد الذي يمكن أن يتعطل بسهولة إذا تعطلت طاقاته الإنتاجية أو على أقل تأخره وتقدمه مقارنة بأي اقتصاد آخر يتسارع نموه أمام أعين العالم أو لم تتراجع مكانته العالمية. وليس أدل على ذلك من حالة الصين التي تقدمت اقتصاديّاً على أميركا هذا العام، وهي للمرة الأولى في تاريخ الاقتصاد العالمي، إلا أن تصريحات رئيس الحكومة الصينية "وين جياباو" كانت لافتة فيما ذهبنا إليه حينما أشار إلى أن الصين ستجعل من موضوع خلق فرص العمل أولوية عاجلة، خصوصاً في ضوء تباطؤ النمو الاقتصادي. فالألماني الذي قام بإحراق أكثر من 100 سيارة فاخرة في برلين، برر فعلته بدافع الحقد الاجتماعي لأنه عاطل عن العمل ومثقل بالديون، والتونسي الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع قائلاً: "ما زلنا بلا مال ولا عمل... إلخ" والذي أشعل في نفسه الحريق كان كذلك.