ترى ما هي الدلالة التاريخية لثورة 25 يناير ومن قبلها ثورة تونس؟ تتمثل هذه الدلالة في أن كلاً منهما ثورة ضد السلطة المطلقة. بمعنى أنها لم تكن موجهة ضد "مبارك" أو "بن علي" بأشخاصهم ولكنها -على العكس- قامت ضد السلطة المطلقة التي مارسها كل منهما، والتي بمقتضاها تمت مصادرة كافة السلطات في المجتمع سياسية كانت أو تنفيذية أو قضائية، لحساب نظم تعسفية قامت على أساس القمع المباشر للجماهير والفساد المعمم، الذي أدى إلى إثراء أهل السلطة وحلفائهم من رجال الأعمال الفاسدين، على حساب طبقات الشعب العريضة التي كانت تناضل من أجل أن تقيم حياتها على أساس من الكفاية والكرامة الإنسانية. والسلطة المطلقة نظام سياسي اتخذ أشكالاً شتى مثل الشمولية أو السلطوية، أو بعبارة أدق الديكتاتورية التي تخضع إرادة شعب ما لديكتاتور مفرد قرر بإرادته المنفردة أن يتحكم في مصير شعب من الشعوب. وهذه الديكتاتورية شهدتها في القرن العشرين أمم شتى، نتيجة الثورات والانقلابات العسكرية التي قامت في قارات العالم المختلفة، في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي. ولعل ديكتاتورية "جوزيف ستالين" الذي ورث من "لينين" ميراث الثورة البلشفية التي قامت عام 1917، كان النموذج البارز للديكتاتور الذي لم يكتف بمصادرة النظام السياسي السوفييتي كله لحساب توجهاته الإيديولوجية الفاسدة وأهوائه الشخصية فحسب، وإنما تجاوز ذلك أيضاً ولعب بدور "السَّفاح السياسي"، لأنه قام بالتصفية الجسدية لمجموعة من زعماء الحزب الشيوعي وجنرالات الجيش وعدد من كبار الكُتاب والمثقفين بتهمة أنهم من أعداء الثورة. والنموذج السوفييتي نظام سياسيّ وزعامة ثورية، تكمن أهميته في أنه أصبح موضعاً للاحتذاء في دول متعددة في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا والعالم العربي أيضاً. في آسيا تحول "ماوتسي تونج" من نجاح الثورة الصينية التي قادها عام 1949 بمضي الزمن إلى ديكتاتور حقيقي، وتشهد على ذلك "الثورة الثقافية" التي قادها قبيل وفاته بسنوات، والتي قام من خلالها بتطهير العشرات من قادة الحزب ومن كبار المثقفين الصينيين وكادت تودي بمستقبل دولة الصين بحكم توجهاتها التخريبية وأفكارها المتطرفة في مجال التنمية. ولو نظرنا إلى آسيا لوجدنا النموذج الديكتاتوري على النسق السوفييتي يتكرر في شخص "كيم إبل سونج" زعيم كوريا الشمالية، الذي كان يطلق على نفسه الزعيم المحبوب من ملايين الكوريين! وإذا وصلنا في النهاية إلى العالم العربي يمكننا أن نجد نموذجين بارزين للديكتاتور الذي صادر حريات شعبه، الأول هو صدام ، والثاني هو القذافي. أما "صدام رئيس العراق السابق الذي صعد من أدنى المراتب الحزبية في حزب البعث العراقي لكي يصل بسرعة شديدة إلى المراتب العليا، فقد استطاع من خلال انقلابات سياسية متعددة أن يصبح الزعيم الأوحد للحزب، وأن ينحي رئيس الجمهورية الذي كان نائباً له ليصبح هو الرئيس. وبهذه الصفة قام بالتصفية الجسدية لعشرات من كبار أعضاء حزب البعث، وكان فيهم مناضلون سياسيون بارزون ومثقفون ثوريون على أعلى مستوى. غير أن صدام، على رغم سجله الدموي في تصفية خصومه قام بجهد استثنائي في تنمية العراق بصورة غير مسبوقة، وكان يطلق عليها "التنمية الانفجارية"، ويقصد بذلك أنها تنمية بالغة السرعة وفي كل الاتجاهات، واستطاع أن يرتقي بالصناعة والزراعة والتعليم والصحة. إلا أنه نتيجة غرور القوة القاتل وإحساسه بالسلطة المطلقة الذي تولد من الثراء الطائل للعراق نتيجة ثروته النفطية، تورط في مغامرات عسكرية حمقاء. بدأها بحرب دموية مع إيران أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من الضباط والجنود العراقيين، بالإضافة إلى إنفاق مليارات الدولارات على الجهد العسكري مما أدى إلى إفلاس الخزينة العراقية. ولم يلبث إلا فترة قصيرة من الزمن ودخل في حرب عقيمة أخرى، لأنه غزا الكويت بدون سابق إنذار، مما ألب عليه الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، التي قادت ضده تحالفاً دوليّاً دخلت فيه مصر لطرده من الكويت وتحريرها. وعاد من بقي من القوات العراقية المهزومة إلى العراق، وسرعان ما فرضت عليه العقوبات الدولية، وتطور الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والعراق إلى درجة أنها قامت بغزو العراق بتهمة زائفة، هي امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. وهزم صدام هزيمة ساحقة من الجولة الأولى، وتفرقت قواته العسكرية بدداً واختفى هو في حفرة تحت الأرض، ونجحت القوات الأميركية في اكتشافها والقبض عليه ومحاكمته وإصدار الحكم عليه بالإعدام. وظهر أيضاً على الساحة العربية ديكتاتور آخر من طراز فريد حقاً هو العقيد القذافي، الذي تحول إلى ديكتاتور فور نجاح ثورته على النظام الملكي الليبي، وحكم ليبيا بمفرده لمدة 42 عاماً كاملة، إلى أن قام الشعب الليبي بثورته ضده التي انتهت بالقبض عليه ومقتله وموته هو وعدد من أعوانه. كان القذافي ديكتاتوراً فريداً قام بتفكيك كل المؤسسات الليبية وأدعى أنه سينشئ -في ضوء الكتاب الأخضر الشهير الذي أصدره- جماهيرية ديمقراطية عظمى وفق خطوط نظريته الإيديولوجية التي زعم أنها تتخطى كلاً من الرأسمالية والاشتراكية. لم يقم القذافي بأي جهد تنموي في ليبيا وظلت من أقل الدول النفطية تحضراً، وعاشت في حرمان شديد من كل الخدمات الأصلية، واستأثر هو بالعوائد النفطية التي أنفقها في مغامرات إرهابية وعسكرية شتى، من أبرزها تفجير الطائرة الأميركية التي اضطرته بعد سنوات إلى أن يدفع تعويضات لأهالي الضحايا تجاوزت مليارين ونصف مليار دولار. وأطلق القذافي على نفسه لقب عميد الحكام العرب وملك ملوك أفريقيا، التي تحول إليها بعد أن فشل في تحقيق الوحدة العربية! وإذا كان كل من صدام والقذافي قد مارسا الحكم في ديكتاتورية صريحة، إلا أن حكاماً عرباً آخرين من أبرزهم بن علي رئيس تونس، ومبارك رئيس مصر، ونظامي علي عبدالله صالح رئيس اليمن وبشار الأسد رئيس سوريا، مارسوا الديكتاتورية بصورة غير صارمة كما كان الحال في العراق وليبيا. صحيح أنهم كلهم -بلا استثناء - مارسوا السلطة المطلقة التي قامت على أساس القمع السياسي والفساد المالي، إلا أنهم لم يعمدوا - كما فعل كل من صدام والقذافي إلى سياسات التصفية الجسدية العلنية للخصوم السياسيين. ولكنهم جميعاً لقوا مصيراً مشابهاً مع بعض الاختلاف في التفاصيل. أعدم صدام، وقتل القذافي وهرب بن علي ويحاكم الآن مبارك، ويبقى مصير كل من نظامي علي صالح رئيس اليمن وبشار الأسد معلقاً، ولكن إلى حين! وهكذا شهدنا في العالم العربي صعود نظام السلطة المطلقة، الذي عجزت عملية التحول الديمقراطي عن القضاء عليه إلا بفضل الثورة التي اشتعلت في تونس أولاً، وسرعان ما وصلت إلى مصر في ثورة 25 يناير المجيدة، التي كانت إعلاناً جهيراً عن سقوط نظام السلطة المطلقة وصعود نظام حكم الشعوب!