هناك من يتحدث عن أنماط من الشرعية، وهي إما تقليدية قائمة على العصبية كما قال ابن خلدون، أو انقلابية كالتي أوجدها قادة عسكريون مثل عبد الناصر وصدام والقذافي، وأخيراً الشرعية الشعرية الحالمة بنمط من الدستورية في ميثاق تعادلي بين المعارضة والحكم. ولا أدري لماذا كُتب على الجنس البشري هذا الشكل من الحكم الهيراركي؟ لقد تحدث كثيرون، مثل تولستوي عن دولة "اللادولة". وربما تكون المرأة في العصر الانثروبولوجي الأول أسهمت في بناء الدولة، أو سمحت للذكور بالتسلط على المجتمع في بنائه على شكل الثكنة ومازال. ومع ذلك فالشرعيات الثلاث: التقليدية والكاريزمية والعقلانية؛ تسبح في الضباب؛ فلا الأولى شرعية، ولا الثانية دستورية، ولا الثالثة واقعية! وفيما يخص العصبية فقد قال بها ابن خلدون ووافقه في ذلك فقهاء السلطة، وخلاصة قولهم إن الحكم يؤخذ بحد السيف وقهر العباد إلى يوم التناد! لذلك تحولت ثقافتنا إلى هرقلية، ومازالت بوصلتها الشعراء وليس الفلاسفة؛ ونبراسها قول المتنبي السيف أصدق أنباءً من الكتب.. في حده الحد بين الجد واللعب. كما أن الثانية غير شرعية فلم تزد عن حمى متواصلة من الانقلابات العسكرية، التي التهم فيها الجناح العسكري حليفه المدني، كما تلتهم أنثى العنكبوت ذكرها ليلة التلقيح. أليس عجيباً أن عبد الناصر رسب في امتحان 1967م فخرجت جماهير مليونية تطلب عودته للركوب على رقبة الأمة ظافراً، وهو المهزوم! نحن هنا لسنا أمام طاغية فقط، بل شعوب مسلوبة الوعي أيضاً. أما الشرعية الثالثة فهي خرافة العقلانية الدستورية لأمة تصل فيها نسبة الأمية 60 في المئة. الديمقراطية ليست صناديق الاقتراع فحسب، بل وعي الشعوب. ولم يتم تزوير الانتخابات، كما حصل في صناديق الاقتراع في البلدان العربية، ومن ذلك مثلاً، انتخاب صدام بنسبة مائة بالمائة! وفكرة التمييز بين الشرعيات الثلاث أنها ليست حدوداً جغرافية قاطعة أعتبرها رائعة، وهي تدل على أهمية إدخال بحوث جديدة عليها، مثل علوم النسبية والإحصاء وتشابك العناصر لانفجار الأمراض، كما هو في علم البيولوجيا. إن التحول إلى الديمقراطية عملية في غاية الصعوبة، وهي نوع من الدخول إلى ينابيع العقلانية التاريخية؛ وفي ذلك ما يذكرنا بالحديث الذي دار بين موسى وقومه عن التحول، وكذلك فكرة "الكواكبي" في كتابه عن "طبائع الاستبداد" حول قوانين إزالة الاستعباد. فأما موسى فقال له قومه: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا! فكان جوابه: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون". أما الكواكبي فوضع ثلاثة شروط لإزالة الاستبداد، اختصرها في اللاعنف والتدريج ووجود البديل. ونحن في الطب لا نعالج قسط المفاصل بالشلل. وحسب ديكارت، فلا تهدم بيتاً عتيقاً، بل ابن جديداً ثم أدخل صاحبك إليه فلن يعود للقديم. إن البديل قد يكون أخطر، كما في القيصرية الروسية والفاشية الستالينية. وحسب ديورانت، فإن روما كانت أرحم بالمسيحيين من المسيحيين بخصومهم العقائديين. وقصة حريق جيوردانو برونو غنية عن التعريف.