خبر صغير يحمل دلالة بالغة، مرّ بين الأحداث الساخنة دون اهتمام إعلامي مناسب. لقد طالب عدد من المتهمين الذين يحاكمون في قضايا إرهابية استهدفت مجمعات سكنية بالرياض عام 2003 وخلَّفت 239 قتيلاً وجريحاً، بمقاضاة من أفتوا لهم بالجهاد وحرضوهم على الذهاب إلى العراق وأفغانستان لمجاهدة الأميركيين، فاستغلوا صغر سنهم وغرّروا بهم، وكانوا يزينون لهم عملهم الجهادي، ويسمونهم بالمجاهدين ويدعون لهم بالنصر والتأييد في خطبهم على منابر المساجد. كما قالوا إن هؤلاء المشايخ هم الذين يتصدرون الفضائيات بعد أن كانوا يحرمونها، وهم اليوم يتقاضون الملايين بعد أن تحولوا عن فتاواهم التحريضية السابقة! ما دلالة هذا الخبر؟ وما أهميته؟ وما المسؤولية الأخلاقية والجنائية للمحرضين؟ وما مسؤولية المؤسسات الدينية والتوجيهية والتعليمية عن تحصين الشباب أمام الطرح التحريضي على العنف والكراهية؟ لعلنا نتذكر في هذا المقام صرخة أب مفجوع في رسالة دامية يقول فيها: "اكتبها بقلب يعتصر ألماً وعيون لا تكفكف دموعها، لقد فقدت ابني البكر (17 ربيعاً)، غرر به رفاقه، زينوا له طريق الموت، وأقنعوه بتفجير نفسه". ترى من يتحمل مسؤولية هؤلاء الضحايا؟ ومن يحاكم المحرضين؟ مند عدة سنوات قام 3 آلاف مثقف عربي بتقديم قائمة سوداء بأسماء مشايخ التحريض في العالم العربي، إلى الأمم المتحدة (فبراير 2005)، وعلى إثرها، أصدر مجلس الأمن قراراً تاريخياً رقم 1624، وبمشهد من قادة دول العالم الذين حضروا قمة العالم بنيويورك، تضمن القرار: تجريم التحريض، ومطالبة دول العالم بإصدار تشريعات محلية لتجريم التحريض وكل الأعمال التي من شأنها تقديم دعم معنوي أو مالي أو مؤازرة، أو تعاطف أو تبرير للعمل الإرهابي عبر المؤسسات الدينية أو الإعلامية أو التعليمية. ونضيف إلى ذلك: إن منظمة المؤتمر الإسلامي نظمت (قمة مكة) التي حضرها قادة العالم الإسلامي، في ديسمبر 2005، وأصدرت توصيات بتجريم الإرهاب -دعماً وتمويلاً وتحريضاً- كما قر المؤتمرون "صحة إسلام" كافة المذاهب الإسلامية المؤمنة بأركان الإسلام لقطع الطريق على الفتاوى التي تكفر الشيعة في العراق، كتبرير للتحريض عليهم، وحظيت "الفتاوى" المنفلتة بجانب كبير من اهتمام القمة التي سعت إلى إيجاد "مرجعية فقهية" موحدة، للحد من فوضى الفتاوى في العالم الإسلامي. لكن ماذا فعلت الدول العربية لتفعيل وترجمة هذه التوصيات والقرارات على أرض الواقع؟ وكذلك نشير إلى بعض الخطوات المتدرجة في ضبط المنابر والفتاوى والعمل الخيري التي قامت بها السعودية والأردن... إلا فإن بقية الدول العربية لم تتخذ خطوات عملية حاسمة في هذا المجال، وبقي قرار مجلس الأمن وتوصيات قمة مكة غير مفعلة لديها! بدليل أن أحد رموز التحريض الكبار، وعلى الملأ بنقابة المحامين في مصر ومن دون أي مراعاة لعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، قام هذا القطب الكبير بتحريض الشباب لمقاتلة الأميركيين في العراق، لا فرق بين مدني وعسكري، قائلاً: إن المدني في خدمة العسكري، ومعللاً ذلك بقاعدة "شرعية": من تعاون مع المحتل -سواء كان مدنياً عراقياً أو أميركياً- يقاتل (بحسب زعمه) حتى يُقتل! إذا لم يكن هذا تحريضاً على القتل وسفك دماء الأبرياء، فماذا يكون التحريض؟ وهكذا استمر المحرضون يفسدون ويعبثون في الأرض العربية والإسلامية من غير حسيب أو رقيب أو مساءلة. ووصل تأثير التحريض الإجرامي على بعض من غُسلت أدمغتهم أن يلبس أحدهم حزاماً ناسفاً ليدخل مسجداً عامراً بالمصلين فيفجرهم! لقد ضلّ سعيه وسعي من حرضه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! لقد كان من نتائج هذا التحريض أنه، وطبقاً للدكتور عبدالله المدني، هناك في باكستان وحدها 4820 قتيلًا و10500 جريحاً، حصيلة 310 عمليات انتحارية، ومثلها في أفغانستان، أما في العراق فقد سقط 13 ألف مدني وجرح 30 ألفاً. والسؤال المطروح على مؤسسات التحصين العربية، التعليمية والدينية والإعلامية: لماذا استمر التحريض على القتل وبث الكراهية والتكفير؟ لماذا لم تقم تلك المؤسسات بواجبها الأخلاقي والديني والمهني تجاه حماية شبابنا من سموم التحريض، ووقاية مجتمعاتنا من غزو الوباء الإرهابي؟ لماذا لم تقم الجامعة العربية بإصدار قرار عربي بتجريم التحريض ومطالبة الدول الأعضاء بإصدار تشريعات وطنية تتيح محاكمة المحرضين؟ لماذا لم تقم دول مجلس التعاون بإصدار توصية بذلك؟ إن محاكمنا اليوم نشطة في محاكمة المجرمين الصغار المغرَّر بهم، فماذا عن مسؤولياتنا؟ ما مسؤولياتنا في حماية هؤلاء الشباب وفي تحصينهم ورفع مناعتهم؟ ما مسؤولية المحرضين الكبار؟ إن شبابنا تعرضوا لكمٍ هائل من الضغط التحريضي لدفعهم إلى ساحة الهلاك، ومجدّت المنابر الدينية والمواقع الإلكترونية وهللت لهم، فذهبت نفوس وطاقات وموارد هدراً! لقد عاش شبابنا حالة تزييف للوعي عظيمة، صورت عملهم الإرهابي جهاداً والجهاد منه براء! واليوم إذ يحاكم المنفذون الصغار، فلا أقل من أن نسمح لأولياء أمورهم برفع دعاوى على من حرض أبناءهم وورطهم، إن المحرضين يتحملون وزر أعمال المنفذين: جنائياً وأخلاقياً ودينياً، وهم بتحريضهم قد ارتكبوا إثمين: إثم التغرير بالصغار وإثم تجاوز حق ولي الأمر والافتئات على سلطاته، لأن المعروف -شرعاً ودستوراً وعرفاً- أن حق إعلان الجهاد وحق التحريض عليه من الاختصاصات الأصيلة للحاكم أو الإمام الذي يعلن النفير العام ويعطي الضوء الأخضر للمشايخ بتعبئة الجنود وتحريضهم، فكيف يتطاول مشايخ التحريض على سلطات الحاكم؟ وبأي حق يتدخلون في شؤون الدول الأخرى ويدفعون أولادنا للتسلل عبر الحدود بحجة الجهاد؟ من أعطاهم الإذن بالتغرير بصغارنا؟ لماذا سمحنا بتمكينهم من منابرنا؟ ألسنا جميعاً مسؤولين؟ إن العدالة تقتضي أن يحاكم المحرّض كما تحاكم المنفذ.