في موضوع الإعلام والهوية الوطنية تباينت الآراء الخليجية حول هذا الموضوع، فبينما أثار جمال خاشقجي (من المملكة العربية السعودية) تساؤله عن أهمية إقامة ملتقى "خاص" لهذا الموضوع، قال الدكتور عدنان بومطيع من البحرين إن ضعف حضور الهوية الوطنية في الإعلام البحريني كان أحد أسباب الأحداث "الطائفية" التي شهدتها البلاد في بدايات هذا العام. لا شك أن مشكلة الهوية الوطنية تتأثر بشكل مباشر بوضع التركيبة السكانية للدول، فدولة كالمملكة العربية السعودية التي لا تعاني من خلل في تركيبتها السكانية لا تشعر بوجود مشكلة في الهوية الوطنية، أما دولة كالإمارات وقطر، فبسبب ارتفاع نسبة غير المواطنين على العنصر المواطن فإن ذلك يجعل الشعور بمهددات الهوية الوطنية أكثر وضوحاً، بالتالي فإن عقد الملتقى الذي نظمه المجلس الوطني للإعلام، بالتعاون مع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يوم الاثنين الماضي، وشارك فيه عدد من الإعلاميين والصحفيين الإماراتيين في أربع جلسات، كانت مثيرة للجدل والحوار، قلّبوا فيها همومهم الإعلامية والمهنية ووضعوها إلى جانب هموم الوطن وإشكالية الهوية، التي لا تزال تفتقد إلى تعريف واضح وسليم يمكن أن يكون منطلق عمل منظم. إن استمرار الحديث عن الهوية الوطنية دون تحديد تعريف واضح لها، يجعلنا كمن يدور في حلقة مفرغة وكأننا نتكلم عن لوغاريتمات لا يفهمها أحد، ويبقى لكل شخص ولكل جهة تفسيرها لهذه الكلمة وبالتالي فإن كل طرف يعمل على تحقيقها بالطريقة التي يراها صحيحة من وجهة نظره الشخصية، وهذا ما قد يعوق الهدف المراد من وراء الحث على تعزيزها، ففي لقاء طلاب إحدى الجامعات طرح عدد من الطلبة والطالبات هذا التساؤل: ما المقصود بالهوية الوطنية؟ هل المقصود الالتزام بالزي الإماراتي للرجل والمرأة؟ أم المقصود حب الوطن ورفع العلم؟ أم الالتزام بكل ما هو إماراتي والابتعاد عن كل ما هو غير ذلك؟ هذه أسئلة مشروعة لشباب معنيين بهذا الأمر، لكن لا إجابة واضحة لها؟! الحديث عن الهوية الوطنية ذو شجون، أما معايشة ذوبان الهوية الوطنية فهو الأمر الأصعب، وهذا ما يجعل التساؤلات تدور حول دور الإعلام في ترسيخ الهوية الوطنية أو تضييعها، فالإعلام له التأثير الأكبر بعد البيت في بناء هوية الإنسان وترسيخ وطنيته، وهذا ما أعطى الملتقى أهمية كبرى، فشارك الإعلاميون فيه بشكل كبير وتكلموا بسقف عال، بل وسقف مفتوح من حرية التعبير عن همومهم وتخوفاتهم وتطلعاتهم، كما أنهم في الوقت نفسه قيموا وضع الإعلام الإماراتي اليوم، وذهب أغلب الإعلاميين من الرعيل الأول إلى أن الماضي كان أفضل وأجمل، وأكد الإعلاميون من الجيل الحالي أن السنوات الحالية للإعلام ليست أفضل من السنوات القليلة التي مضت... والخلاصة كانت أن هناك اتفاقاً على عدم الرضا عن وضع الإعلام اليوم. إذا كان الإعلام أحد جناحي الهوية الوطنية فلا شك أن التربية هي الجناح الآخر والأهم، فتغرس الهوية في البيت وتزرع الوطنية في نفوس الأبناء بواسطة الأهل والوالدين، فمن لم ينجح في أن يغرس في نفوس أبنائه هويتهم العربية والإسلامية، ولم يعرف كيف يربيهم على حب الوطن والولاء والانتماء، لأرضه سيكون قد قصر كثيراً، وفي نفس الوقت سيكون دور الإعلام أصعب في ترسيخ تلك الهوية في نفوس الناس، ويبقي دور الإعلام أن يذكّر دائماً بهذا المسائل، وأن يعكس جوهر هذه المفردات التي ينبغي ألا تنفصل عن شخصية أي مواطن في بلده. كانت تلك لقطات من المشهد على منصة الملتقى والصفوف الأمامية من القاعة... أما في المقاعد الخلفية للقاعة التي عقد فيها ملتقى الإعلام والهوية الوطنية، فقد كان مشهد آخر، فقد كانت تجلس هناك ومن من ضمن الحضور سيدة غير عربية، تستمع إلى الحديث الذي يدور حول الهوية والوطنية والإعلام والتوطين ومشكلات كثيرة أثارها الإعلاميون على منصة الحوار، تضع سماعة الترجمة الفورية على أذنيها وتستمع، وكان يجلس أمام هذه السيدة زميل إعلامي، وكان مصدوماً لأنه بدا بأن الانزعاج وصل بتلك السيدة مما كان يقال لدرجة أنها كانت تردد كلمة "Stupid" أكثر من مرة! من الواضح أن الكلام لم يعجبها، إلا إذا كانت تكلم نفسها وتردد الكلمة واصفة شخصاً تذكرته أثناء حضوره تلك الجلسات الساخنة! وهذه إشكالية أخرى تواجهها المجتمعات عندما يريد الآخرون مصادرة حقها في حماية هويتها في ظل ثقافات وفدت في ركاب العولمة التي تحوم من حول كل أمم الأرض وشعوبها. إن الحديث عن الهوية والوطنية لا ينبغي أن يقلق الأجانب والمقيمين على هذه الأرض، فهو حق تمارسه جميع الشعوب مهما كان حجمها. تساؤلات الهوية الوطنية تُطرح كثيراً وتتكرر، لكن تبقى الإجابات على تلك التساؤلات غائبة! فإلى متى يتم تأجيل الإجابة عليها؟ فكثير من تلك التساؤلات طرحت خلال هذا الملتقى وتساؤلات أخرى طرحت في ملتقيات سابقة، لكن لا توجد إجابات واضحة! لقد تناولت جلسات الملتقى نقاطاً كثيرة... كما كان الملتقى فرصة لتلاقي الأفكار، أما ماذا سيحدث في كل الكلام الذي دار فهو شيء واحد؛ سيكتب ويصف ويوضع في تقرير منسق وفي ملف جميل، ويوضع بكل أمان وسلام في أحد الأدراج المثقلة بالملفات المشابهة، وبعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، أو ربما أكثر، سيعقد ملتقى آخر يدعى له الإعلاميون ليتكلموا عن دور الإعلام في ترسيخ الهوية الوطنية، وسيتكرر نفس المشهد الذي عشناه منذ يومين، وكل عام وأنتم بخير.