مع أن حظوظ الدولة الفلسطينية في الحصول على اعتراف مجلس الأمن الدولي تكاد تكون معدومة، إلا أنه خلال هذا الأسبوع يتهيأ المجلس الذي يدير منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة والمعروفة باسم اليونسكو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومنحها العضوية الكاملة في هيئتها، ولو حصل هذا الأمر كما هو متوقع ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستقالة من المنظمة الأممية، بسبب قانون يعود إلى أكثر من عشرين سنة يحرم على أميركا دفع مستحقاتها المالية إلى أي هيئة عالمية تكون الولايات المتحدة عضواً فيها، وتُقدم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية. والمشكلة أن انسحاب واشنطن من اليونسكو بموجب القانون سالف الذكر لا يقف عند هذا الحد، بل في حال تطبيقه سينسحب أيضاً على هيئات أخرى، لأن اعتراف اليونسكو بالدولة الفلسطينية يمهد أمامها الطريق لنيل الاعتراف من هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة وعلى رأسها المنظمة العالمية للملكية الفكرية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم منظمة الصحة العالمية. وفيما يجادل البعض في الولايات المتحدة أن انسحاب أميركا من تلك المنظمات لن يكون له أهمية، مثلما أكد ذلك المتحدث باسم "مؤسسة هيرتتج" المحافظة، قائلًا إن اليونسكو "لا تقدم إلا القليل مما يمكن أن تستفيد منه المصالح الأميركية"، تبقى الحقيقة أن أميركا بحاجة إلى المنظمات والهيئات الدولية، وأي انسحاب منها يشكل خسارة فعلية للمصالح والحضور الأميركي في الوكالات التابعة للأمم المتحدة. فعلاوة على مهامها في مجال تعزيز التعاون والسلام بين البلدان والأمم، والحفاظ على الموروث الثقافي العالمي تساعد اليونسكو أيضاً في ازدهار قطاع الأعمال الأميركي، فمن خلال المنظمة تمكنت الشركات الأميركية الرائدة في مجال تقنية المعلومات مثل "سيسكو" ومايكروسوفت و"إنتل" وغيرها من الوصول إلى فئات واسعة في دول العالم الثالث وولوج أسواقها المتعطشة للتكنولوجيا المتقدمة. ومن خلال هذا الدعم الذي قدمته اليونسكو للمنتجات الأميركية والتعريف بها في العالم تكون قد أسهمت في الحفاظ على الوظائف للأميركيين، بل الأكثر من ذلك تقوم اليونسكو في بعض الحالات بإنقاذ حياة الأميركيين على غرار ما حصل، بعد التسونامي الذي ضرب اليابان في شهر مارس الماضي، حيث قامت المنظمة من خلال نظام متقدم للإنذار مشترك مع الولايات المتحدة بتحذير سكان ولاية كاليفورنيا من توابع الزلزال في المحيط الهادي. ولا ننسَى أيضاً أن اليونسكو تسهم في تعزيز الأمن القومي الأميركي من خلال تلقين الأفغان مبادئ القراءة التي سيحتاجونها عند توليهم المسؤولية الأمنية بعد انسحاب القوات الأميركية، ولأن انضمام الدولة الفلسطينية إلى اليونسكو سيفتح أمامها الباب للانضمام إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية، فإن أميركا ستكون مضطرة للانسحاب من هذه المنظمة، علماً أنها تلعب دوراً حيوياً على الساحة الدولية في حماية الملكية الفكرية، بما فيها من براءات الاختراع وحقوق التأليف والعلامات التجارية التابعة للشركات والأفراد في أميركا. وحتى لا يظن أحد أن الاعتراف بالدور المهم للمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة نابع من انحياز حزبي، أود أن أذكر هنا أن دعم اليونسكو لم يقتصر فقط على أوباما، بل سبقه إلى ذلك بوش الذي قاد الجهود الأميركية لإعادة الانضمام إلى اليونسكو عام 2003، كما أن السيدة الأولى السابقة، لورا بوش، ما زالت حتى اللحظة سفيرة النوايا الحسنة للمنظمة. ومن الواضح أنه مهما حدث في اليونسكو، سيستمر الفلسطينيون في طلب العضوية لدى وكالات وهيئات تابعة للأمم المتحدة، وفي كل مرة ينجحون ستكون الولايات المتحدة مضطرة للاستقالة، وهو ما يفقدها القدرة على التأثير والحضور الفعال على الساحة الدولية من خلال تلك المنظمات، وربما لن يكون بمقدورنا المشاركة في القرارات المهمة المتعلقة بالأسلحة النووية وطريقة التخلص من النفايات النووية التي تبت فيها وكالة الطاقة الذرية، أو كيف التركيز على حماية الأشخاص من انتقال الأمراض الفتاكة والمعدية، إن انسحبنا من منظمة الصحة العالمية، ولا كيف نحافظ على الأمن الغذائي في حال انسحابنا من المنظمة العالمية للغذاء والزراعة، وفي غضون شهور قليلة قد تجد الولايات المتحدة نفسها منعزلة تماماً عن العديد من القرارات المتخذة داخل المنظمات العالمية، وهي قرارات قد يكون لها تأثير مباشر على المصالح الأميركية من وظائف وأمن وغيرها. وفيما تسعى إدارة أوباما لإيجاد حل دبلوماسي يحول دون استمرار السلطة الفلسطينية في طلبها للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، يبقى الحل الأمثل في مراجعة الكونجرس للقانون الذي يفرض على الولايات المتحدة الانسحاب من المنظمات الدولية. ورغم إصرار البعض على أن ما تقدمه الولايات المتحدة لتلك المنظمات يفوق بكثير ما تجنيه منها، وبالتالي ستكون المنظمات الدولية أكبر الخاسرين من انسحاب أميركا، فإن ذلك ليس صحيحاً، فالقضايا التي تنكب عليها الهيئات الدولية تجمع دول العالم للتباحث حول المشاكل الكبرى. ومن الضروري مشاركة أميركا في إيجاد الحلول واتخاذ القرارات، وإلا لن تأتي هذه الأخيرة في صالحها، كما أن النقاش الدولي لن يختفي فقط لأن أميركا ليس موجودة، بل إن غيابنا سيقلل فقط من قدرتنا على التأثير في مجريات العالم والمشاركة الفاعلة في رسم سياسته. تيموثي إي.ويرث سيناتور أميركي سابق ورئيس مؤسسة الأمم المتحدة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"