موت القذافي هو الحدث الحاسم في الحرب الأهلية التي اشتعلت شرارتها لأول مرة قبل نحو تسعة أشهر في ليبيا، وذلك على اعتبار أن الحرب، في أذهان معظم الليبيين، ما كان يمكن أن تضع أوزارها من دون رحيله من البلاد أو موته. ومثلما ذكَّرنا بذلك كل من رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأميركي يوم الجمعة، فمن المهم جداً أن نتذكر ونستحضر هنا العدد الكبير من الأشخاص الذي راحوا ضحية أعمال القذافي وسياساته، ومن ذلك مئات الأميركيين ومواطني بلدان أخرى الذين لقوا حتفهم في التفجير الإرهابي لطائرة بوينج 747 التابعة لشركة "بان-أميركان" أثناء تحليقها فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية في الحادي والعشرين من ديسمبر 1988 (ما أسفر عن مقتل كل ركابها الـ259 إضافة إلى 11 شخصاً من سكان البلدة). فقد كان القذافي طاغية حكم ليبيا بقوة الحديد والنار على مدى أكثر من 40 عاماً وتسبب في إفقار معظم سكان بلده الغني بالثروات النفطية. وعلاوة على ذلك، فإن حكم القذافي السلطوي قضى على كل الحركات المستقلة، وحال مع مرور الوقت دون تكون منظمات المجتمع المدني التي تعتبر أساس معظم البلدان وكل الديمقراطيات. وهذه حقيقة مهمة وأساسية في تقييم مصير تقدم الثورة الليبية، ذلك أنه إذا كان موته سينهي فعلياً الثورة المضادة العنيفة التي قادها أنصاره خلال الأشهر القليلة الماضية على الأرجح، فإنه لن يسكت كل الأشخاص الذين مازالوا يطعنون في الثورة ويرغبون في توقفها. والواقع أن لدى الحكومة الليبية الجديدة اليوم فرصة لإنهاء أعمال العنف والشروع في إعادة إعمار مدن وبلدات ليبيا التي تعرضت للنسف والتدمير؛ غير أن التحديات التي تنتظرها كثيرة وصعبة للغاية؛ ذلك أن مشكلة الانقسامات القبلية، التي كان حكم القذافي الخبيث يعمل على تشجيعها وتأجيجها، لن تُحل بسهولة. وعلاوة على ذلك، فإن استئناف إنتاج النفط، وفتح الموانئ على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وإرسال المساعدات الإنسانية إلى من نزحوا عن مناطقهم إلى مناطق أخرى أكثر أماناً... ستشكل جميعها أولويات ملحة وعاجلة. على أن الأهم من ذلك كله هو حقيقة أن خلق وظائف للشباب العاطلين عن العمل الذين شكلوا صلب ائتلاف الثوار تمثل أولوية عاجلة، وكذلك الحال بالنسبة إلى مسألة تجريد التحالف الواسع من المليشيات التي هزمت القذافي من السلاح. وعليه، يتعين على المجتمع الدولي اليوم أن يتحرك بسرعة من أجل توفير الدعم الخارجي المهم الذي سيساعد على إطلاق الحكومة الجديدة. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن ليبيا ستكون في حاجة إلى إمدادات من المساعدات الإنسانية، والقروض التجارية الموسعة، ومساعدة اقتصادية طويلة المدى. وفي غضون ذلك، ستستفيد ليبيا من الدعم السياسي في وقت تنكب فيه الحكومة الجديدة على الإعداد لدستور وانتخابات مقبلة وتحقيق المصالحة الداخلية. ومما لاشك فيه أن على الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان آسيوية كبرى أن تساهم بدورها في هذا الجهد وتقدم المساعدة على نحو سخي؛ غير أنه يتعين على جامعة الدول العربية أن تكون في مقدمة البلدان التي تقدم الدعم الذي تحتاجه الحكومة الليبية بشدة من أجل توحيد البلاد وإبعادها عن العنف والتركيز على إعادة الإعمار. والواقع أن الأحداث الدراماتيكية التي تشهدها ليبيا اليوم، ومعها العالم، تؤكد حكمة وحصافة القرار الذي اتخذه"الناتو"، بمباركة من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، والقاضي بضرورة التدخل خلال المرحلة المبكرة من الحرب الأهلية نيابة عن جيش الشعب الليبي. فقد أحدث "الناتو" فرقاً مهماً في منع قوات القذافي من استعمال القوة الجوية وفي منع وتجنب حصار لمدينة بنغازي كان يمكن أن يفضي إلى كوارث إنسانية. وهنا لا بد من قول كلمة حق والاعتراف بأن الزعيمين البريطاني والفرنسي يستحقان إشادة كبيرة للدور الذي اضطلعا به في قيادة جهود "الناتو". وبناء على ما تقدم، فإنه مما لا شك فيه أن أوباما كان على صواب حيث قرر انخراط الولايات المتحدة، وإنْ على مضض، في الحملة العسكرية التي شنها "الناتو"، ذلك أن العملية الليبية، وعلى غرار التدخلات التي قام بها كلينتون في البوسنة وكوسوفو في عقد التسعينيات، تُظهر أنه عندما يتم استعمال قوات الناتو من أجل مهمة محددة ودقيقة، وبمهمة ونتيجة واضحتين، فإنها يمكن أن تساعد على تحرير آخرين بدون اللجوء إلى عمليات الاحتلال المنهكة وطويلة المدى التي ميزت المغامرات المريرة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان. وبهذا المعنى، يمكن القول إن تحرير الشعب الليبي من حكم القذافي الفظيع والدموي، إنما يمثل انتصاراً للناتو أيضاً. الآن، انتهت المرحلة الأولى وبالغة الأهمية من الحرب الأهلية الليبية؛ غير أن المرحلة التالية المتمثلة في بناء دولة جديدة وهوية جديدة ستكون على القدر نفسه من الأهمية، وربما أكثر صعوبة من تنحية الدكتاتور عن السلطة. ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"