مثل كل القضايا والموضوعات الحيوية التي يتحمس لها وينشغل بها العرب لفترة زمنية محدودة ثم تتوارى في غياهب النسيان، انتهت صيحات الإصلاح السياسي وهبات التطوير الاقتصادي ومشروعات التنمية الاجتماعية والثقافية. ولا يزال الحال كما هو عليه داخلياً وخارجياً. العرب يراوحون مكانهم بل ربما يتراجعون؛ بينما ينطلق العالم بسرعة ليلحق بركب حضارة المعرفة ويلبي متطلبات العصر، وكأن الزمن العربي قد توقف عند مشارف القرون الوسطى وفقد القدرة على تجاوزها، بل أثرى ذكرياتها بمزيد من الابتكارات المروعة كقطع الرؤوس واختطاف البؤساء والكادحين من سائقي الشاحنات وأمثالهم، وترويع الآمنين.
انفض موسم صيحات الإصلاح والعائد صفر. فبعد كل موجات الرفض والشجب والإدانة التي عمت الدول العربية على المستويين الشعبي والحكومي من دون استثناء، لمشروعات الإصلاح المفروضة من الخارج بزعامة الإمبراطور بوش الصغير، جاءت مقولة "بيدي لا بيد الأجنبي"، أي أن الإصلاح أو "التطوير" السياسي شأن داخلي ولا يتم فرضه من الخارج، وهي مقولة صحيحة بكل المقاييس لأنها مرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا الخاصة بكل دولة على حدة. صدر إعلان تونس ثم بيان الإسكندرية يليه إعلان صنعاء ثم إعلان المجلس العربي للأعمال، وكلها صيحات تؤكد الحاجة إلى الإصلاح الشامل في جميع المجالات داخل الدول العربية، وطرحت بعض الأفكار والرؤى لتحقيق ذلك. فماذا حدث بعد كل هذا الزخم؟ عدنا من حيث بدأنا، وانشغلنا بمشاكلنا اليومية وقضايانا الخارجية قديمها وحديثها، وبحثنا عن موضوعات أخرى نتحدث عنها وفيها، ونسينا حاجتنا الحقيقية للإصلاح والتطوير، وأنه قدرنا وطريقنا الوحيد للحاق بركب الإنسانية التي تواجه اليوم تحديات القرن الحادي والعشرين، في حين أن الوطن العربي لا يزال يتعثر في صراعه مع تهديدات ومخاطر عصور الظلام.
من المعروف أن دعوة الإصلاح من وجهة النظر الأميركية مرتبطة بمصالحها الحيوية الذاتية في الشرق الأوسط، وليس مصالح شعوب المنطقة، وبات مشروع الإصلاح الأميركي سيفاً يشهر لتهديد الأنظمة الحاكمة لترضخ لمصالح الولايات المتحدة الأميركية، وتزيل كل العقبات أمام تحقيقها، ولذلك كانت أدوات الضغط الأميركية تتمثل في الاتصال بالمعارضة العربية في الخارج، ودعوة بعض النساء من الدول العربية لحضور دورات تدريبية بالولايات المتحدة على المشاركة السياسية، وأساليب القيادة والإدارة، والإعلان المستمر عن برامج لتطوير التعليم وتوفير فرص العمل وتخصيص مبالغ مالية لهذه البرامج، ربما لا تتوافق مع جدية التنفيذ. ومن المعروف أيضاً أن بوش الصغير قد أعلن في 19 مارس 2003، قبل غزو العراق، أن العراق سيكون نموذجاً يحتذى في الشرق الأوسط، حيث الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام القانون، إلى آخر القائمة، وبعد مرور أكثر من 16 شهراً على زوال النظام العراقي البائد برئاسة صدام حسين، أصبح العراق مثلاً يحتذى في الفوضى وانعدام الأمن وفقدان السيادة وضعف السلطة المركزية المؤقتة في إدارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية لأسباب كثيرة سبق أن تعرضت لها في مقالات سابقة. ولذلك نستطيع أن نؤكد اليوم على أن العراق في المشروع الأميركي للشرق الأوسط "الكبير" سيكون الأول والأخير. فقد كانت البداية الطموحة هي تغيير نظام الحكم في العراق بالقوة العسكرية، ولكن الطموح الأميركي للإصلاح السياسي لن يتجاوز العراق، ولا يخفى على أحد الأسباب التي تدعونا إلى تأكيد هذه الحقيقة ومن أبرزها عدم وجود خطة مسبقة لإعادة بناء الدولة في العراق بعد تحريره. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية جادة فعلاً في توجهها نحو الإصلاح في المنطقة كشرط أساسي لسد أي منفذ أمام الإرهاب وتجفيف مستنقعاته، فإنها مرغمة الآن على تغيير تكتيكاتها بالاعتماد على المعارضة العربية في الداخل ومنظمات المجتمع المدني العربية لإحداث الضغط المطلوب للتغيير في مختلف مجالات ممارسة الحكم، من خلال مد الجسور بين رموز الإدارة الأميركية وعناصر المجتمع المدني العربية التي يمكن أن تؤثر في التغيير، وفي الوقت نفسه تظل العقوبات الأميركية وسيلة الضغط الخارجية على الأنظمة الحاكمة لشغلها عما يحدث في الداخل. ولقد بدأت إرهاصات هذه التكتيكات تظهر بكل وضوح خلال الزيارات الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي لبعض دول الشرق الأوسط، وتصريحات بعض المسؤولين الأميركيين في إدارة بوش الصغير، ثم ما صدر عن قمة الثمانية الكبار بشأن الشرق الأوسط في إعلانهم الختامي الذي أكد على أهمية الإصلاح لدول الشرق الأوسط على أن تجري من الداخل وفق خصوصية كل دولة.
ومنذ إعلان مشروع إصلاح الشرق الأوسط الذي جاء على استحياء في حديث لكولن باول وزير الخارجية الأميركي في نهاية عام 2002، وما أعقبه من تصريحات للرئيس بوش الصغير وطرحه لمشروع الشرق الأوسط "الكبير"، أعلنت الدول العربية رفضها التام للإصلاح الذي يأتي من الخارج، ولكن لم يختلف أحد على ضرورة الإصلاح، وأنه آن الأوان للتنفيذ. ولذلك انقسم الج