إن الأداء المزدهر لاقتصاد أبوظبي في ظلّ الظروف الاقتصادية العالمية غير المواتية، والظروف الإقليمية غير المستقرّة، ليس إلا دليلاً على أن اقتصاد الإمارة يمتلك من القوى والمحركات الذاتية ما يكفيه لمواصلة النمو والتوسّع في حجم الأنشطة من دون انتظار انتعاش الاقتصاد العالمي أو استقرار الأوضاع الإقليمية، وإن كان من الضروري ألا تغفَل أهمية العوامل الخارجيّة في تحفيز النمو المحلي، خاصة في ظل السياسات التي تتبعها إمارة أبوظبي بشكل خاص، ودولة الإمارات بشكل عام، في سعيها إلى دمج اقتصادها في الاقتصاد العالميّ، وجعله حلقة وصل بين الأسواق الإقليمية والأسواق العالمية، لكن في أوقات الأزمات الكبرى المماثلة للأزمة الماليّة الحاليّة، وكذلك ظروف عدم الاستقرار التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن التعويل على العوامل الخارجيّة كثيراً في مساعدة الاقتصادات المحلية على النمو، بل قد تكون هذه العوامل ذات تأثير سلبيّ في هذا النمو أحياناً، الأمر الذي يضع الدول والبلدان أمام معضلة تحييد الأثر السلبيّ للعوامل الخارجية، وابتكار أدوات جديدة تساعد اقتصادها على النمو الذاتي. لا يمكن تفسير حالة النمو والديناميكيّة التي يعيشها اقتصاد أبوظبي في الوقت الحالي إلا من خلال القول إن حكومة الإمارة قد نجحت في تبنّي السياسات الاقتصادية التي مكنت اقتصادها من التغلب على تلك المعضلة، فمنذ بداية الأزمة المالية لم تتراجع حكومة الإمارة عن النهج نفسه، الذي كانت تتبعه في فترة ما قبل الأزمة، والمتمثل في التوسّع في الإنفاق العام، والاستثمار في المشروعات الكبرى، والإصرار على تنفيذ المشروعات التنمويّة التي كان مخطّطاً لها في فترة ما قبل الأزمة، وقد ساعد هذا النهج على تمكين اقتصاد الإمارة من الاحتفاظ بالزخم نفسه، وبالتالي استطاع مواصلة النمو بمعدلات إيجابية، ليتخطّى المراحل الأسوأ في الأزمة المالية من دون خسائر تُذكر. إن استمرار الأزمة المالية لأكثر من ثلاث سنوات بعد اندلاعها في عام 2008، بل تفاقم تداعياتها خلال الشهور الأخيرة في العديد من الدول المتقدّمة، كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة، قد تسبّب في زيادة أعراض تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتسبب في تقليص الطلب العالميّ الكليّ بشكل غير مسبوق منذ زمن طويل، وهو ما زاد من حجم التحديات التي تعوق النمو الاقتصادي للدول والبلدان على المستوى المحليّ. وفي مواجهة هذه التحديات أقدمت إمارة أبوظبي على التوسع في مشروعات البنية التحتية بشكل أكبر مما كان عليه الوضع في الماضي، لتوليد المزيد من القوى الذاتيّة المحركة للاقتصاد المحلي، وقد صرحت مؤسسة "أكسفورد بيزنس جروب" في تقرير حديث لها بأن الإمارة توجّهت منذ فترة ليست بالقصيرة نحو مشروعات البنية التحتية، كمشروعات النقل، والمحطات النوويّة لتوليد الطاقة الكهربائية، وخطوط السكك الحديدية، وذلك بعد سنوات من التركيز على قطاع التشييد والبناء. إن هذا التوجّه الجديد نسبياً للإمارة سيساعد قطاع الإنشاءات فيها على الاستمرار في النمو، ومن ثم سيكون له تأثير إيجابي واسع على مستوى الاقتصاد المحلي كلّه خلال السنوات المقبلة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية