منذ سنوات الدراسات العليا الأولى وجدت نفسي أمام مشكلة عدم القدرة على التوصل إلى إجابات شافية حول لماذا تسير دول العالم العربي نحو التراجع في ممارساتها السياسية، حيث تغيب عنها المؤسسية ومظاهر المشاركة السياسية الحقَّة والنخب المؤمنة بأهمية الأدوار الجماهيرية في الإسهام في قضايا أوطانها، إلى غير ذلك من مظاهر عصرية في تسيير الأوطان؟ وكلما مرَّت الأيام وازداد بحثي عن إجابة كلما أصبحت المسألة أكثر تعقيداً، وزاد الأمر صعوبة مع تواتر عدم الاستقرار المقلق في دولة عربية بعد الأخرى من مغرب العالم العربي إلى مشرقه. ومرة تلو الأخرى ما يبدو على السطح بأنه جزء من الإجابة هو وجود قادة غالباً ما يبحثون عن مصالحهم الذاتية بعيداً عن مصالح البلاد والعباد، ومواريث مقلقة لم يتم استقصاء حقيقة جوهرها بطرق صحيحة ومناسبة، أخذ منها البعض القشور وأرادوا تطبيقها دون تفكير وتركوا الجوهر دون تفكير أيضاً، وثقافة تسليطه لا تريد النخب ولا الشعوب الخلاص منها سريعاً. والحقيقة هي أن مشكلتي أنني أبحث في السياسي، لكنني أجد بأن الاجتماعي مهم بقدر أهمية السياسي، وأقوم بتحليل الاجتماعي، فأجد بأنه لا يمكن فصله عن الثقافي، وأقوم بالتعمق في دراسة الثقافي فأجده يتحول إلى اقتصادي، فأقوم بالنظر في الاقتصادي لأجد بأنه باهت دون الجوانب الثلاثة الأخرى وهكذا. وبصراحة هذا الالتباس الفكري هو ما يعيق معظم الأعمال العلمية الرصينة حول العالم العربي، ويجعل العديد من منها سطحية إلى حد كبير. ومن خلال البحث عن البواعث التي تطرد المشاركة السياسية خارج البلاد العربية اتضح بأن العالم العربي نفسه ضحية للإهمال العلمي الذي يمارسه الأكاديميون سواء في العالم العربي ذاته أو في دول الغرب خاصة أوروبا والولايات المتحدة. وفي الوقت الذي يتواجد فيه اهتمام بسيط من قبل الدارسين في أوروبا فإن العالم العربي بهمومه ومشاكله كان غائباً عن حقل الدراسات الأكاديمية الأميركية - باستثناء ما يتعلق بإسرائيل. ولم يحظ العالم العربي باهتمام حقيقي إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك. في وسط هذا الفراغ العلمي يشعر المرء بوجود حاجة إلى تنبيه علماء المنطقة بالذات (فأهل مكة أدرى بشعابها) الدارسين للسياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد إلى أنه توجد حاجة إلى دراسة شؤون البلاد العربية بطرق أكثر عمقاً ورصانة. وهذا ليس بالضرورة أنني أدعوهم إلى الكتابة حول الأخطاء الأكاديمية التي حدثت في الماضي، لكنني أدعوهم إلى القيام بالمحاولة تلو الأخرى لوضع مسألة التراجع الحاصل في العالم العربي في واجهة التحليل والنقاش. وفي الوقت الراهن تبدو هذه المهمة الأولية أكثر إلحاحاً من السؤال المتعلق بتراجع العالم العربي على الصور التي أشرنا إليها. لقد قمت بتقليب الفكرة والنظر إليها من جميع الجوانب فوجدت بأن دراسة أحوال العالم العربي لا يمكن أن تتم بشكل صحيح إلا من خلال دراسات تكاملية في إطار من الممازجة بين تخصصات العلوم الاجتماعية. بمعنى أن الدراسة تكتمل ليس من خلال الدراسات السياسية وحدها، ولكن من خلال دراسة الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية أيضاً. لذلك فإن الباحثين بمختلف تخصصاتهم مدعوون إلى تحليل عملية التنمية والتطور السياسي والاقتصادي وتداعياتها الهائلة على كافة الصيغ الأخرى والعناصر الفاعلة فيها، وإلى دراسة دلالات الثقافة السياسية، وتأثيرات جميع تلك الجوانب السلبية على عدم الاستقرار السياسي وبالتالي الثورة في نهاية المطاف. ويجدر القول بأن فهم الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد العربية لا يمكن أن يتم من خلال فصل الواحدة منهما عن الأخرى، فهما كل متداخل، وأية محاولة لفصلهما عن بعضهما لن تؤدي سوى إلى ما يمكن وصفه في أفضل الحالات بأنه عمل غير مكتمل وفهم جزئي للمسائل.