رغم الكتابات الكثيرة حول "الربيع العربي" والتغييرات التي يحدثها، فإن غالبية هذه الكتابات لم تتوقف عند تحليل الحدث نفسه للتعمق في جذوره والغوص إلى أسبابه العميقة، بما يقدم رؤية تاريخية تحدد الانعكاسات المترتبة على ذلك الحدث، وتحلل ما يرتبط به من مؤثرات سياسية وتاريخية وأيديولوجية وإعلامية. ومن الواضح أن الحياة السياسية في دول الربيع العربي اتسمت عموماً بوجود فجوة عميقة بين الشارع والسلطة الحاكمة، علاوة على التغييب الذي كان يـُمارَس على الشارع لدفعه نحو مقاعد المتفرجين والانقطاع عما يدور حوله من أحداث. فرغم ظهور الكثير من المشكلات التي عانتها شعوب هذه الدول، وكانت تنذر بحالة من الثوران، فإن السلطة السياسية لم تكلف نفسها إحداث أي نوع من التغيير والمعالجة التصحيحية بما يتناسب مع خطورة المشكلات القائمة، إذ لم تكن قادرة على قراءة المشهد العربي بصورة واضحة تقيس مدى قوة الحراك وتأثيره. لكن هناك العديد من الدراسات التي حملت تحذيرات مسبقة وواضحة حول هذا الحراك، مبينة خطورة بقاء تلك المشكلات على ما هي عليه دون حلول تخفف وطأتها على واقع العالم العربي، وأيضاً فيما يتعلق بالفجوة القائمة بين السلطة الحاكمة والشعب. لكن السلطة السياسية في دول الثورات العربية لم تتعامل مع التحذيرات المذكورة بأجندة واضحة وجادة إلا بعد انفجار الحراك الشعبي، ولم تتعامل يوماً مع الشارع على أنه البرلمان الحقيقي للمجتمع، وأن دعمه وتقويته وعلاج مشكلاته، يمثل سبيلاً لتقوية دور السلطة السياسية نفسها أمام الأزمات الداخلية والخارجية، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية. وكما ما لا حظ شاكر النابلسي في كتابه "الشارع العربي... دراسة تاريخية سياسية"، والصادر عام 2003، فإن غالبية المظاهرات التي كانت تخرج في العالم العربي كانت تخرج من عباءة الفقر والبطالة والظلم، وأيضاً بسبب تعرض المواطن العربي للاعتقال والسجن والمطاردة والتعذيب... وهذا أمر ولّد حالة من الاحتقان في هذا الشارع، برزت في الأحداث الأخيرة التي قطعت الصلة بين السلطة والشعب في العديد من الدول العربية. وهذا أيضاً ما لاحظه ديفيد بولوك في كتابه "الشارع العربي... الرأي العام في العالم العربي"، والصادر عام 1993. ويتفق معهما في الرأي محللون ومختصون آخرون. فالعالم العربي إذن أمام تحول كبير وصعب، ستكون له آثاره العديدة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فضلاً عن الأبعاد الاستراتيجية التي تحدد مستقبل العالم العربي. لذلك لابد من قراءة خريطة التحولات العربية بعقل واعي لفهم أبعادها الجوهرية، والتعامل مع إشكالياتها وتعقيداتها بعقلية ناضجة، وليس بواسطة الحلول التقليدية التي قد تدخل المنطقة في دائرة الخطر والمجهول وتجعلها جزءاً من لعبة المصالح الدولية الكبرى. ويبقى العالم العربي بحاجة إلى دراسات سياسية واجتماعية واقتصادية جادة، ترسم له خريطة طريق نحو النهضة والتقدم والازدهار، وتقلص الفجوة بينه وبين الأمم المتقدمة، فتزيده تكاملًا وتضامناً ومنعة.