تسود الاقتصاد العالمي تغيرات كبيرة وجذرية ستكون لها انعكاسات مهمة على بنية المجتمعات في العقدين القادمين، فرأس المال في القرن الحادي والعشرين لا يشبه رأسمال عصر النهضة الصناعية ولا رأسمال القرن التاسع عشر الذي تميز بابتكارات واختراعات غيرت وجه الحياة على الأرض، كما أنه يختلف عن رأسمال القرن العشرين. والطور الحالي لرأس المال بدأت جذوره في التكون قبل ثلاثين عاماً تقريباً وازدادت وتائر نموه في الأعوام الأخيرة، بحيث تشكل نظام له سمات محددة وتسيّره عوامل تختلف عن القوانين التي حددها مفكرو الاقتصاد الرأسمالي التقليدي "آدم سميث" و"ديفيد ريكاردو"، بل إن الطور الحالي ركن جانباً الفلسفة الاقتصادية لفترة ما بعد الكساد العظيم ومنظرها الرئيسي "جون مينارد كينز" التي توجد التوازن المطلوب للنمو بين الأنشطة الاقتصادية للقطاعين العام والخاص. لقد أدت الأزمات المتعاقبة إلى انخفاض الطلب في الأسواق العالمية كما هو متوقع ومنطقي نتيجة لتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، إلا أن الطور الحالي من النظام الاقتصادي كان له رأي آخر، فرأس المال المالي المغامر الذي يقود قاطرة الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر يقوم بعمليات مضاربة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة مصطنعة ولا تعبر عن قوانين الاقتصاد الخاصة بالعرض والطلب. وبدلاً من أن يؤدي ذلك إلى تقليص الفوارق واتساع القاعدة الاجتماعية للفئة الوسطى وتسخير هذه التقنيات لرفع مستويات المعيشة، فإن رأس المال المالي سخر هذه التغيرات لتوجيه الاستثمارات نحو الفقاعات، كفقاعة العقار والأسهم والذهب من خلال تقديم التسهيلات التمويلية التي تفوق قدراتها المالية واستحداث مشتقات مالية بمعادلات رياضية معقدة يصعب التعامل معها بوضوح وشفافية. ولذلك، فإن الطور الجديد لا يكتفي باستغلال موارد البلدان الأخرى في الأطراف كما هو الحال مع رأس المال التقليدي، وإنما يستغل في نفس الوقت وبنفس المعدل الفئات العاملة ومدخرتها في بلدان المركز المتطورة اقتصاديّاً، وهو ما يمنحه صفة الشمولية، حيث أتاحت له التقنيات الحديثة وسرعة إنجاز المعاملات من خلال شبكة الإنترنت المتقدمة جدّاً السائدة في المعاملات المالية في العالم ربط الأسواق العالمية بشبكة من الاتصالات التي فرض عليها سيطرته الكاملة. وعلى الجانب الآخر فرض هذا التطور النوعي اصطفافاً آخر للفئات الاجتماعية المتضررة، ففي الطور الجديد، انضوت فئات اجتماعية واسعة لمواجهة هذه التغيرات واتجهت مباشرة إلى عقر دار القوة المالية المهيمنة في "وول ستريت" وحي المال في لندن وغيرها في أكثر من ألف مدينة في 92 بلداً. والمفارقة الأخرى هي أنه لا يجمع هذه الفئات الاجتماعية فكر أو إيديولوجية معينة، كما هو الحال في السابق، وإنما اجتمعت كافة هذه الفئات المتفاوتة في أفكارها وتوجهاتها السياسية ووحدة مطالبها، ابتداء من "وول ستريت" في نيويورك -حيث انضم إلى المحتجين ابن ثالث أغنياء العالم الملياردير "وارن بافيت"- إلى لندن وباريس وفرانكفورت في الغرب، وحتى نيوزيلندا في أقصى الشرق مروراً بالعواصم والمدن الأوروبية والإفريقية والآسيوية، حيث تركزت مطالب المحتجين على ضرورة وقف الاستهتار بمقدرات المجتمع والفساد المالي وتوفير الوظائف والخدمات الاجتماعية. وهذه وغيرها من التطورات المستجدة تشكل بعضاً من سمات الطور الجديد لمجتمع القرن الحادي والعشرين الذي تمكن من خلاله رأس المال المالي غير المنتج ليس من إزاحة المجمع الصناعي والتجاري فحسب، وإنما خلق أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة وقابلة للانفجار في أي وقت. ومن هنا تكمن خطورة الطور الحالي من النمو الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب تقود إلى الحروب والقلائل والتوترات الاجتماعية، مما يتطلب من المجمع المالي إعادة النظر في توجهاته، إذ ربما يكون هو الأقوى والأكثر نفوذاً في أوساط مجمع الأعمال العالمي، إلا أنه ليس المكون الأوحد للمجتمع. أما في حالة الاستمرار في هذه التوجهات، فلربما يشهد العالم في الفترة القادمة بروز علاقات إنتاج جديدة، هي أقرب إلى النموذج الإسكندنافي الأكثر استقراراً بين البلدان الغربية المتطورة.