بعد صفقة تبادل أسير إسرائيلي واحد مقابل 1027 أسيراً فلسطينياً ونحو خمسمائة قتيل في غزة خلال عمليات إسرائيلية انتقامية أعقبت أسر الجندي جلعاد شاليط، طُرحت تساؤلات عمن هم "الرابحون" و"الخاسرون" في هذه الصفقة. وإذ جرى التهليل لـ"الانتصار" الذي حققته حركة "حماس"، لا ينسى الفلسطينيون أنهم عرفوا سابقاً مثل هذه الانتصارات مع حركة "فتح" و"الجبهة الشعبية". وفي كل مرة كانوا يخرجون مناضلين شرفاء من ظلم السجون ليعيشوا "أحراراً"، في ظل الظلم الجماعي الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي منذ ستة عقود ونيف. لا أحد يلومهم على اللجوء إلى صفقات كهذه، وقد قلّت خياراتهم بسبب إجحاف المجتمع الدولي ودعمه للنظام الإسرائيلي. لكنهم في كل مرة يساهمون رغماً عنهم في تكريس القواعد والمفاهيم التي فرضها الإسرائيليون وأضفوا عليها "مشروعية" مخالفة لكل القوانين والمعاهدات الدولية ولمعايير العدالة الدولية. تبقى إسرائيل الطرف الرابح، بكل المقاييس، لأنها لا تزال تحتجز أكثر من خمسة آلاف رهينة من الفلسطينيين على مرأى ومسمع من العالم. وهي تسترهن هؤلاء لابتزاز الشعب الفلسطيني في حقوقه الأساسية، ولابتزاز سلطة رام الله و"الحكومة المقالة" في غزة في كل الملفات بما فيها المصالحة الوطنية. ويكفي الاحتلال أنه كسب على مرّ العقود اعترافاً بأنه "دولة قانون" من شأنها أن تعامل الواقعين تحت احتلالها باعتبارهم "خارجين على القانون" أو "مخربين" أو "إرهابيين" أو "مجرمين"، بل من شأنها أن تحاكمهم أو لا تحاكمهم، أما أن تعاملهم كأصحاب أرض يكافحون ضد الاحتلال فهذا لم تتوصل "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" إلى إدراكه، بل إن المجتمع الدولي أعفى إسرائيل من احترام التزامات معاهدة جنيف بخصوص معاملة الأسرى. فهل من "ربح" أكبر من أن للاحتلال "دولة" متمتعة بصلاحيات مقوننة لإدارة الظلم والتحكم بالشعب الواقع تحت احتلالها، فيما تلقى أي محاولة فلسطينية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين مقاومة شرسة من كبار هذا المجتمع الدولي. كان لافتاً في التحليل الغربي للصفقة الأخيرة أن يقال مثلاً إن إسرائيل نتنياهو، وهو الليكودي المتعنت، "تنازلت" عن معايير "العدالة" القضائية التي نجحت طويلاً في فرضها. هذا صحيح جزئياً، وظريفاً، لكن المتحدثين عن التنازل يتعامون عن معايير الإنسانية التي انحرف بها الإسرائيليون والمتعاطفون معهم، وإلا فما معنى معادلة "الواحد مقابل الألف" التي طبّقت عملياً في مختلف الصفقات، علماً بأن "الواحد" الإسرائيلي يكون قد كلّف مئات الضحايا والكثير من الدمار قبل أن تجري مبادلته بـ"الألف" الفلسطيني؟ ما معنى أن تفرض إسرائيل شروطاً من نوع أن هذا الأسير يجب أن يُبعد إلى خارج الأرض التي فيها أهله وعائلته وبيته، وأن ذاك لا يسمح له بالعودة إلى منزله في الضفة وإنما يبعد إلى غزة؟ يعني ذلك أنها لا تعتبرهم أسرى حرب، بل رعايا يمكن التصرف بمصيرهم، فحتى الذين خاضوا قتالاً ضدها والتجأوا إلى كنيسة المهد عام 2002 استطاعت أن تفرض معاملتهم كمتمردين إما أن يعتقلوا إنفاذاً لـ"قانون دولة الاحتلال" أو تتنازل هذه الدولة عن "حقها" لقاء نفيهم إلى الخارج. لا شك أن مثل هذه المعايير غير القانونية وغير الإنسانية، فضلاً عن عقلية النفي والإبعاد الآتية من سياسات القرون الوسطى، هي التي توضح أكثر ضرورة ولزوم وإلحاح حصول الفلسطينيين على وضعية "الدولة" المعترف بها وبمواطنيها على أنهم بشر ولهم حقوق يفترض أن يتمكنوا من مباشرتها على الأرض التي هي أرضهم. وإذا كانت إسرائيل اختارت هذه المرة أن "تتنازل" فلأنها استندت إلى "الالتقاء الموضوعي" الحاصل بينها و بين "حماس" برفضهما، كلٌ لأسبابه، مسعى السلطة الفلسطينية لدى مجلس الأمن. ثم إن إسرائيل اعتبرت أن اللحظة مناسبة لمدِّ "حماس" بورقة تستقوي بها على "فتح"، فتتعقّد مجدداً جهود المصالحة. وأكثر من ذلك، هناك دعوات كثيرة في إسرائيل إلى التحاور مع "حماس". فهل تتخلى إسرائيل عن الشروط الأربعة التي فرضتها على "الرباعية" الدولية لمنع أي حوار أو تعامل مع "حماس"؟ المهم الآن أن صفقة التبادل، تلغي جانباً كبيراً من وظيفة الحصار الذي فرضته إسرائيل بعد أسر الجندي عام 2006. لذا تتوجب إعادة النظر به، إذا كان لـ"الهدنة" أن تتكرس وتحترم. أبعد من ذلك، بات على "حماس" أن تقرر إذا كانت لها مصلحة في التوجه فلسطينياً لتطبيق المصالحة أو التوجه إسرائيلياً بحثاً عن اعتراف دولي بها بديلاً عن السلطة وعن "فتح" بما ينطوي عليه ذلك من تأزيم للانقسام الفلسطيني.