صفقة الأسرى نتيجة للتحولات العربية... وتصعيد متوقع بين إيران والسعودية صفقة تبادل الأسرى الوشيكة بين حركة "حماس" وإسرائيل، وأجواء حملة انتخابات الجمعية التأسيسية في تونس، وتداعيات اتهام إيران بالتخطيط لاغتيال السفير السعودي في واشنطن، ثلاثة موضوعات عربية مهمة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. ------- صفقة "الأسرى" الكاتب بيير روسلين ذهب في افتتاحية لصحيفة لوفيغارو تحت عنوان "شاليط: الربيع العربي ودواعي التحرير" إلى أن الاتفاق الذي يقضي بتبادل الجندي الإسرائيلي الأسير عند حركة "حماس" منذ خمس سنوات، مقابل مئات الأسرى الفلسطينيين، لم يكن ليتم لولا الأجواء والظروف الجديدة التي خلقتها موجة الربيع العربي. ويستند الكاتب في هذا الحكم على عدة أسباب منها: أن وساطة مصر الجديدة كانت حاسمة، وخاصة أن الجنرالات الذين يحكمون مصر الآن مهتمون بتهدئة الموقف مع كل من إسرائيل و"حماس". ففي مواجهة إسرائيل يسعون للحفاظ على اتفاقية السلام، وفي ذات الوقت تعزيز الحضور العسكري المصري في سيناء المنزوعة السلاح منذ اتفاقية كامب ديفيد. وقد تلقوا من إسرائيل إشارات إيجابية، بهذا الصدد. كما انتزعوا منها أيضاً الاعتذار عن مقتل ستة جنود مصريين، لقوا مصرعهم بعد هجوم "إيلات" في 18 أغسطس، وقد ترتبت على ذلك الحادث أعمال احتجاج واسعة أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة. أما في مواجهة "حماس" فيسعى العسكر المصريون لاحتواء الإسلاميين الفلسطينيين الذين لا يعدمون نوعاً من التأثير في مفردات المشهد الداخلي المصري وخاصة بالنظر إلى صلتهم بجماعة "الإخوان المسلمين" المصرية، وكذلك بعض الجماعات الراديكالية السلفية. ويذهب الكاتب إلى أن إسرائيل، من جانبها، تجد نفسها تحت ضغط الإحساس بحجم التغيرات في المنطقة، وقد عبر عن ذلك نتنياهو بصراحة حين قال لدى إعلانه عن الاتفاق "لقد تمكنا من الحصول على أفضل اتفاق ممكن، في وقت تعصف فيه الزوابع بمنطقة الشرق الأوسط. ولا أعرف إن كان مزيد من الانتظار في المستقبل سيمكننا من نيل اتفاق أفضل، أم أن ذلك لن يكون ممكناً أبداً". ولاشك، يقول الكاتب، أن علاقات تل أبيب مع مصر مبارك كانت هي حجر الزاوية في رهاناتها الإقليمية. وهذه العلاقات أصبحت الآن في خبر كان. ولا تقل حاجة "حماس" أيضاً لهذا الاتفاق، وقد أصبحت هي أيضاً تواجه تحديات الربيع العربي، وخاصة أن حليفها نظام الأسد يواجه الآن لحظة الحقيقة، وهذا ما يدعوها لاستعادة كل ما هو ممكن من دعم مصر. ويبقى أخيراً القول إن الاتفاق بين "حماس" وإسرائيل لا يعزز موقف السلطة الفلسطينية، بقيادة محمود عباس، الذي زار باريس أول من أمس، وخاصة في هذه الظروف التي أدارت فيها "السلطة" بقوة خلال الأسابيع الماضية معركة العضوية في الأمم المتحدة، وهي معركة أيضاً شكل الربيع العربي رافعة قوية لها، من باب حاجة عباس للاستجابة لتطلعات الرأي العام الفلسطيني. الانتخابات التونسية في صحيفة لوموند رصد مقال تحليلي للكاتبة "كارولين فورست" أجواء الحملة الانتخابية الصاخبة التي تعيش على وقعها تونس الآن، تمهيداً لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي الذي ستناط به مهمة رسم ملامح المرحلة المقبلة، وإعداد أول دستور في مرحلة ما بعد بن علي. ويمكن القول إن تونس تمكنت إلى حد اليوم من السير على طريق المرحلة الانتقالية الممهدة للتحول السياسي بثقة كاملة ومن دون تسجيل أية أخطاء حتى الآن. ويعود الفضل في ذلك إلى ارتفاع مستوى الوعي الشعبي، وقدرة الحكومة الانتقالية على إدارة التوافق والاستجابة لتطلعات الشارع، وكذلك لوجود شخصيات تتسم ببعد النظر وتتصرف بحكمة هي من تولى الإعداد القانوني للأطر واللوائح التنظيمية للاقتراع وعلى رأسها عياض بن عاشور، الذي تولى رئاسة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، وتمكن من احتواء واستقطاب اهتمام جميع الفاعلين السياسيين، من مختلف مكونات الطيف السياسي من الإسلاميين وحتى الشيوعيين. وأشادت الكاتبة بقوة بكل الخطوات التي اتخذتها المرحلة الانتقالية في تونس ما بعد الثورة، قائلة إن من حق التونسيين أن يشعروا بالغبطة ليس فقط لنجاح ثورتهم بل أيضاً لما قطعوه من خطواته بعدها. وقد أصبح كل شيء جاهزاً الآن من الناحية العملية لضمان سريان الأمور في مجرى التحول الديمقراطي المنشود. ومع أن تونس بلد صغير المساحة، وذو شعب متعلم، واقتصاد واعد، ومنفتح، وهي كلها ميزات مساعدة على التحول، إلا أن الأمر مع ذلك لا يخلو أيضاً من صعوبات، والتونسيون يعرفون ذلك وهم يستعدون للذهاب إلى صناديق الاقتراع لاختيار من سيتولون تحرير دستورهم ووضع ملامح مستقبلهم، من بين مئة لائحة انتخابية، على رأسها خمسة أحزاب كبيرة، من ضمنها حزب النهضة الإسلامي، الذي يعد الأكثر شهرة على كل حال. وتشير استطلاعات الرأي الأولية إلى أن الإسلاميين قد يحصلون على ما بين 20 و30 في المئة من أصوات الناخبين. وباستثناء حزب "دستورنا" حديث النشأة الذي يقوده الناشط الشاب العلماني جوهر بن مبارك، فإن ثمة تعبئة واسعة في صفوف معظم الأحزاب الأخرى لضمان محدودية حضور المسألة الدينية في المشهد السياسي المقبل. ومع هذا تذهب الكاتبة إلى أن حزب النهضة يبدو في الوقت الراهن كما لو كان حزباً "وسطيّاً" مقارنة مع التيار السلفي الراديكالي الذي بدأ حضوره يتصاعد في تونس الآن، وخاصة بعد مهاجمة نشطاء هذا التيار للبيوت المشبوهة أخلاقيّاً وإغلاقهم لها، وكذلك مهاجمتهم لدور السينما بسبب بث فيلم نادية الفاني "علمانية.. إن شاء الله"، وكذلك معركتهم الحالية مع قناة "نسمة" الخاصة على خلفية بثها لفيلم "برسبوليس" للإيراني مرجان ساترابي الذي يجسد في أحد مشاهده الذات الإلهية. ومع أن مدير القناة نبيل القروي قدم الاعتذار علناً عن بث الفيلم إلا أن التظاهرات ضد القناة ما زالت مستمرة، ومحاولات اقتحام مقرها متواصلة، وهو ما يؤشر إلى أن للتيار السلفي حضوراً أيضاً في المشهد السياسي التونسي قد يلقي بظلاله على المتبقي من أجواء الحملة الانتخابية، وكذلك الباقي على الأجندة من استحقاقات سياسية مصيرية مقبلة أخرى. محاولة اغتيال "الجبير" استعرضت افتتاحية لصحيفة لوفيغارو التجاذب الدبلوماسي الراهن بين طهران وكل من الرياض وواشنطن على خلفية اتهام إيران بمحاولة تدبير اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة، عادل الجبير، وقالت الصحيفة ابتداءً إن هذه ليست هي أول مرة تتهم فيها إيران بتدبير أنشطة من هذا النوع، وإن كانت هذه العملية بالذات تكتسي حساسية خاصة، وتدشن لمرحلة جديدة بالغة الخطورة. والظاهر أن النظام الإيراني يجنح نحو الراديكالية بفعل شعوره بضغوط الداخل، من جهة، وتآكل حدود تحركه في الخارج، من جهة أخرى. ففي الداخل يواجه "حراس الثورة" مصاعب متنامية منذ أحداث الاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية في سنة 2009. وفي الخارج لم تصب رياح الانتفاضات العربية في أشرعة طهران، على كل حال. بل إنها اتهمت بصب الزيت على النار في البحرين. وها هي اليوم تجد نفسها أيضاً على عتبات صراع مع السعودية في الخليج، وخاصة في سوريا التي يعتبر نظامها المترنح الآن أبرز حلفاء إيران الإقليميين. وأكثر من هذا ستضفي المؤامرة التي قيل إنها اكتشفت في واشنطن مزيداً من السخونة على التصعيد المزمن بشأن الملف النووي الإيراني، وخاصة أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أنه أصبحت لديها أدلة على وجود برنامج نووي عسكري إيراني. ولاشك أن أوباما الذي تعرض للنقد في سنة 2009 بسبب مده يد المصالحة إلى إيران، لا يمكن أبداً أن يسمح لنفسه الآن بالظهور بمظهر الضعف، إذا كان يريد حقاً أن يعاد انتخابه في رئاسيات 2012. ولاشك أن آخر ما ينقص، في شرق أوسط مترنح على إيقاع زوابع عدم الاستقرار، هو إيران تتحكم فيها العناصر الأكثر راديكالية، والأكثر استعداداً للتصعيد. فهذه لعبة خطيرة للغاية، يتعين عدم الانخراط فيها. إعداد: حسن ولد المختار