باعتباري مسلماً، تكوّن ضميري على العدالة، فإنه يستحيل أن أقبل الظلم الواقع على الأقباط المصريين، وباعتباري مصرياً تكوّن وجداني على عقيدة الوطنية والتضحية من أجل سلامة الوطن، يستحيل أن أقبل العدوان على جنود وضباط الجيش بوحشية، وإحراق مدرعاتهم، كما أنه يستحيل أن أغض الطرف في نفس الوقت عن خطورة التقرير الذي نشرته صحيفة "الأهرام" يوم الثلاثاء الماضي، الذي يفيد بأن أسباب وفاة المدنيين في أحداث ماسبيرو أمام مبنى التلفزيون يوم الأحد، تتراوح بين الطلقات النارية والطعن بالأسلحة البيضاء والدهس بالمركبات. إن هذا النزيف المصري الذي يتكرر بين الحين والآخر بسبب امرأة أو بناء كنيسة، يجب أن يتوقف، والمدخل الحاسم لذلك هو صدور قانون دور العبادة الموحد وقانون منع التمييز بين المواطنين لإنهاء أسباب الظلم الواقع على الأقباط، ثم تطبيق سيادة القانون بكل حزم على أي طرف يقع في مخالفة القوانين، مسيحياً كان أم مسلماً. لقد دلت الأحداث المتكررة على مدى أربعين عاماً، على أن هناك مشكلة جوهرية يجب أن تعالج علاجاً حاسماً، غير أن تراخي الحكومات المتتالية عن إصدار القوانين المذكورين، يعني أن هناك خللاً في الإرادة السياسية لدى هذه الحكومات حتى يومنا هذا. ولا أمل أمام مصر سوى أن يدرك المجلس العسكري الحاكم، أن هذه المشكلة تقع في صلب مهامه التي يكلفه بها الدستور للحفاظ على الوطن وأمنه وسلامة أراضيه. إن هذا الإدراك سيكون كفيلاً باستخدام سلطات المجلس التشريعية لإصدار القانونين المطلوبين دون انتظار لانتخاب برلمان جديد، فالأمر لم يعد يحتمل الانتظار أو التأجيل، فكيان مصر يتهدده خطر الفتنة الطائفية ونيرانها الحقود إذا تركت الأمور دون علاج حاسم. إذا نظرنا في المشاهد الدامية التي أذاعتها قنوات فضائية عديدة، فإننا سنقع في حالة من الارتباك، فهناك عدوان صريح من جانب المتظاهرين الذين يحملون العصي والسيوف والأسلحة النارية على رجال الجيش المكلفين بحماية مبنى التلفزيون، وهناك مدرعات وعربات عسكرية تم إحراقها بزجاجات المولوتوف. ومن الناحية الثانية هناك عربات مدرعة تطارد المتظاهرين وتحاول تفريقهم برعونة واضحة تعيد إلى الأذهان صور دهس الثوار بمدرعات الأمن المركزي في ميدان التحرير أثناء ثورة يناير. وهناك شهادات عيان متضاربة، فبعضها يفيد أن الجيش هو الذي بدأ بالعنف ضد المظاهرة السلمية، وهناك أخرى تقول إن بعض المتظاهرين هم الذين بدأوا بإطلاق النار على الجنود وإلقاء الزجاجات الحارقة على المدرعات. وبما أن التحقيق لم ينته، فإننا نرجح ما قاله البابا شنودة من أن هناك عناصر اندست بين المتظاهرين واستخدمت الأسلحة ضد الجيش لإشعال الموقف. وهذا أيضاً يدعو المجلس العسكري إلى التحرك السريع للعلاج المذكور بالإضافة إلى إعلان نتائج التحقيق لنعرف المسؤول عما حدث في أسرع وقت، لنوقف النزيف المصري الذي طال أمده.