الأخطار التي تهدد تغييرات "الربيع العربي" الذي نشهده منذ بداية عام 2011، كثيرة، نشعر بالعديد منها كلما وقع حدث مؤسف، أو تعثرت إحدى العمليات أو انفجر خلاف طائفي. أو غير ذلك، فمسيرة عملية التغيير العربية معقدة جداً ومتنوعة، وهي تتفاعل في دول ومجتمعات متفاوتة التجربة مختلفة من ناحية التشكيلة الاجتماعية وعدد السكان وحجم المشاكل وغير ذلك، ويتسبب هذا كله في صعوبات وتعقيدات تجعل الكثير من التحليلات والتنبؤات تبتعد عن الدقة في التشخيص وتحديد الهدف، ما الذي يقلقني شخصياً في هذه الأحداث؟ وما الذي أميل إلى أن أتخوف منه أكثر من غيره؟ 1- إن أول ما أحسب حسابه في هذه الثورات، هو المقاومة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الدينية القانونية للتغييرات المتوقعة، إن هذه القائمة طويلة كما هو واضح، وتكاد تشمل كل مظاهر الحياة في المجتمع، ومفاصل الدول العربية، ولكنها في اعتقادي مخاوف مبررة. فالقوى التي خسرت مواقعها ومصالحها في مصر وتونس وليبيا، وحتى في سوريا- إنْ نجحت الثورة- لن تستسلم بسهولة، ولن تفسح الطريق للقادم الجديد، مجتمعاتنا لم تشهد حركات تغيير بهذا الحجم منذ سنين طويلة، والقوى الراغبة في التغيير وبخاصة من الشباب والشرائح الشعبية، تسعى نحو عملية تحول سياسية واقتصادية عميقة، تضعها حتماً في صدام مستمر مع الشرائح الاجتماعية والإدارية والعسكرية التي استفادت من الأنظمة السابقة، وشكّلت عمودها الفقري. إن الأنظمة التي أُطيح بها، أو تلك التي ستتلوها في التحول والتغيير لأي سبب من الأسباب المتوقعة، يمتد بها العمر إلى قرن أو قرنين وربما أكثر. صحيح أنها وُلدت في مصر مثلاً عام 1952 وفي تونس عام 1957، عندما قام النظام الجمهوري في البلدين. ولكن هذين النظامين لم يولدا من فراغ ولم يكونا بمعزل عن المؤثرات السياسية والتشكيلات الاجتماعية الموروثة، مهما تظاهرت القيادات والنخب الجديدة بالثورة عليها وتغييرها. وأقوى دليل على هذا أن سياسات هاتين الدولتين تغيرت كل عشرين سنة، قبل أن يسقط النظامان بسبب الفساد والاستبداد وتجاهل الدستور وغير ذلك. وفي مصر نفسها اليوم جدل حول ما إذا أدت ثورة 25 يناير 2011 إلى إسقاط النظام أم إزالة رأسه فحسب، فالأنظمة قد لا تموت لفترة تطول بعد فقدان رأسها. والآن، هل يستطيع المصريون التخلص بسرعة من ثقافة النظام القديم؟ وهل يفتحون قلوبهم وقوانينهم ومؤسساتهم للتحولات القادمة، كي تحقق الثورة الكبرى، التي هزت العالم العربي وأحدثت كل هذا الدوي الدولي.. أهدافها؟ لا أحد يدري! 2- ثاني ما يقلقني في مصر وتونس وليبيا وغيرها، غياب فكر التغيير وعدم توفر الأجندات والأهداف والقيادات الكارزمية، بل نكاد نلمس ملامح هذا الضياع والتخبط، والربيع لايزال في أول نسماته وتفتح وروده! فالمصريون يفقدون صبرهم، وأهل تونس يتصارعون، وأهل طرابلس يطالبون ثوار بنغازي بمغادرة مدينتهم فوراً، رغم أن القذافي، طاغية ليبيا، لايزال طليقاً. إن البديل في أذهان الكثيرين منا للقمع والاستبداد هو الديمقراطية والتحديث والليبرالية، ولكن هل دول "الربيع العربي" تسير نحو مثل هذه الأهداف؟ هل يعرف الشباب مشاكل التنمية الحقيقية في مصر، وأزمات قوى العمالة والمؤسسات التعليمية ببنيتها العتيقة وأهدافها التي عفا عليها الزمن؟ هل يلتفُّ المصريون والتوانسة والليبيون والسوريون واليمنيون حول أهداف تنموية عصرية تنتشل مجتمعاتهم وترتقي بها إلى مصاف البلدان الآسيوية المتقدمة مثلاً، حتى لو بدأنا بالتجربة الهندية! أم سيعود قدماء الساسة والمثقفين والإعلاميين أنفسهم، بالعقليات الموروثة، ليهيمنوا على ساحة الثورة من جديد، ويقودوا هذه البلدان إلى تقديس بعض الشعارات السابقة التي هي إما خاطئة أو غير صالحة لهذه المرحلة؟ إن الديمقراطية، كما يقول الباحثون السياسيون، ليست فقط "نظام حكم"، ولكن أيضاً "عادات ثقافية واجتماعية"، وتعليم ليبرالي وجامعات حرة التفكير، فهل تتسع صدورنا لهذا كله، وننجح في تشكيلة منظومة قيمنا وتراثنا الديني وتركيبتنا الوطنية والطائفية، مع هذه المؤسسات ومناهجها الجديدة؟ "الثقافة السياسية" تُعرّف بأنها "القسم والمبادئ السياسية لدى كلا من العامة والنخبة"، فهل نحن متفقون حقاً في بلداننا؟ وما الأهداف التي صرنا نجمع عليها تأييداً واعتراضاً؟ 3- ما النموذج الأصلح والأنجح لمسيرة هذه البلدان؟ مصر المضغوطة سكانياً ذات الخبرة والمكانة المتميزة على كل صعيد، وتونس الخضراء الجميلة التي تريد استرداد مكانتها السياحية وتنشيط الزراعة، وليبيا الغنية بالمال والبترول والإمكانيات الهائلة الكامنة، وسوريا القادرة بسهولة أن تكون أكثر بلدان العالم العربي والشرق الأوسط ثراء وتقدماً وتأثيراً، هذه الدول الأربع بعض أركان هذه التجربة الثورية الهائلة المعلقة اليوم بين التقدم والتراجع. ونحن جميعاً نتساءل: أي نموذج نتبع للانطلاق؟ هل نحاول اتباع دول أوروبا الشرقية بعد سقوط النظام الاشتراكي، أم نتبنى النماذج الآسيوية في ماليزيا وسنغافورة والهند وكوريا الجنوبية وغيرها، أم نقف ملياً أمام التجربة التركية المعاصرة، لعل الأقدار تفتح عقول وسلوك الإسلاميين في بلداننا، فيوسعون آفاقهم، ويتسامحون مع مظاهر الانفتاح والتحرر التي لا يرى أخوتنا الأتراك فيها بأساً، أم نتعثر في توقعاتنا هذه كلها، وتنجح الشرائح والقيادات القديمة في استرداد مواقعها باسم الوطنية والقومية والحرص على "الإسلام الصحيح"، فنخرج مرة أخرى بمجتمعات هجينة لا هدف لها ولا ملامح، موجودة.. كزيادة عدد في قائمة أعضاء الأمم المتحدة. 4- رابع ما يقلقني إلى أقصى حد عندما أنظر إلى المستقبل، ضيق الوقت! فعملية التغيير كان ينبغي لها أن تقع مثلاً بعد نكسة يونيو 1967، قبل نحو أربعة عقود، أو على الأقل بعد أحداث عام 1990 عندما اهتزت ثوابت كثيرة بعد احتلال الكويت وانقسام العالم العربي والتدخل الدولي... إلخ. لقد انتهت الحرب الباردة وتفكك المعسكر الاشتراكي وغاب الاتحاد السوفييتي عن مسرح التاريخ وصعدت الهند والصين وطغى الإرهاب وزحفت العولمة بتقنياتها وانتهت الصناعة والزراعة التي كنا نتصورها في مناهجنا التنموية حيث غزتهما على نحو كثيف الآليات والإلكترونيات في بعض البلدان، بينما سهلت العولمة الاستفادة من أرخص السبل وأقل العمالة كلفة عبر العالم، وصارت البضائع الصينية والمنتجات الآسيوية عموماً تحاصر الصناعة والزراعة المحلية في البلدان العربية وبقية دول العالم، ولم تكتف الصين مثلاً بتصدير البضاعة بل صارت عمالتها تنشط في دول وربما قارات مثل أفريقيا! وقد شكّلت الأزمة في ليبيا مؤشراً واضحاً على التأثير الهائل الذي تتمتع به الصين في أفريقيا، وفي مارس الماضي نشرت الصحف إعلان وزارة الخارجية الصينية، نجاح عملية إجلاء نحو 36 ألف مواطن صيني من ليبيا، حيث كان عدد كبير منهم يعمل في قطاعات النفط والاتصالات اللاسلكية لشبكة القطارات وصناعات البناء، فضلاً عن ذلك، قامت الصين، للمرة الأولى، بنشر معداتها العسكرية في أثناء تنفيذ عملية الإنقاذ، فقد أقدمت السفينة الحربية "سوزهو" المحملة بأربعة آلاف طن من الصواريخ، والتي كانت متجهة نحو الصومال في مهمة مكافحة القرصنة، على عبور قناة السويس وصولاً إلى ليبيا، وكذلك نشرت أربع طائرات نقل عسكرية، بل قدمت الصين المساعدة لإجلاء مواطنين أجانب آخرين منهم أكثر من 40 مواطناً إيطالياً وكرواتياً وفلبينياً وغيرهم (الجريدة 15-3-2011). حقاً إن المطلوب في بلدان التغيير العربية كثير، والوقت قليل، والمنافسة حادة، فإذا ضاع وقت أكثر في الصراع السياسي والاجتماعي وغيره، سيبقى الكثير من أماني الشباب حبراً على الورق. 5- خامس ما يقلقني المؤثرات الخارجية على توجهات "الربيع العربي"، ولا أقصد هنا على الإطلاق المؤثرات الأوروبية أو الأميركية، فهذه البلدان ليست معادية لعملية التغيير، بل إن الولايات المتحدة قادت قبل سنوات في زمن الرئيس "بوش الابن" حملة غير موفقة "لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط". والسؤال المحدد هنا: "هل ستنجو دول الربيع العربي من المؤثرات العربية" المعاكسة بشتى الطرق؟ وإذا وقفت الدول العربية كأنظمة وحكومات محايدة، فهل ستمتنع الجماعات والهيئات الدينية مثلاً في بعض هذه الدول، عن التدخل وخلق النفوذ المالي والسياسي والاجتماعي داخل مصر وتونس وغيرها؟ فالأحزاب العصرية في مصر وتونس وسوريا وليبيا واليمن إما ضعيفة أو مُحاربة أو غير موجودة، ومؤسسات المجتمع المدني ليست أحسن حالاً، والتعليم والجامعات والمناهج وحال الأساتذة والمدرسين على نفس المنوال، والحياة البرلمانية قد تنفتح على التمويل الموجه والإعلام المغرض... وهكذا! إن حال هذه البلدان الثائرة يكاد يرفع شعار "لقد عُدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، ولاشك أن هذه البلدان والشعوب ستنجح حتماً في اكتشاف طرق النجاح والتقدم مهما كانت التحديات. ولكن المفيد رغم كل هذا الأمل الحقيقي الواقعي أن نعرف بعض التحديات!