لم تلعب السياسية الخارجية دوراً مهماً في السباق الانتخابي داخل الحزب الجمهوري، وليس من الصعب التعرف على الأسباب، فالتعليقات الصادرة على مرشحي الحزب حول الدور الأميركي في العالم تراوحت بين التصريحات المنسجمة بين المرشحين وبين التصريحات الغريبة والعبثية، ربما باستثناء ما قاله "جو هانتسمان" الذي تولى مرتين منصب سفير أميركي، لكن الباقين أظهروا أداء مخيفاً وتعليقات مؤسفة لا ترقى أبداً إلى مستوى النقاش المطلوب بشأن السياسية الخارجية والدور الأميركي في عالم اليوم. فقد ولد الخطاب الذي ألقاه المرشح ميت رومني، الأوفر حظاً بين الباقي، انطباعاً بأنه يستفيق من غيبوبة طويلة دامت عقوداً من الزمن لم يع فيها التغيرات التي شهدها العالم منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ولا الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد خلال هذه الفترة. والحقيقة أن ما نسمعه من المرشحين يثير الشفقة، ذلك أننا اليوم أحوج ما نكون إلى نقاش وطني جاد حول الدور الأميركي في العالم بعد الاضطرابات الاقتصادية التي تجتاح الدول وأجواء الأزمة التي تخيم على الجميع. لكن ذلك على ما يبدو لا يهم الجمهوريين المنشغلين بإحراج أوباما وانتقاد سياسته وإظهار نقاط الضغط الخارجية أكثر من إيجاد الحلول للتهديدات الخارجية. ومع أن رومني لا يكف عن الإلحاح على "القرن الحادي والعشرين كقرن أميركي"، فإن مجرد تكرار الجملة لن يجعل من أميركا قائدة العالم خلال القرن الحالي، بل لابد من طرح أفكار محدد وصياغة استراتيجية واضحة المعالم. لكن الجمهوريين المتطلعين إلى الرئاسة لم يطرحوا أية خريطة طريق توضح كيف يمكن لأميركا الحفاظ على مكانتها العالمية، بل إن أغلبهم تعثروا في الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالسياسة الخارجية. فقد خلط حاكم تكساس، ريك بيري، بين الهند وباكستان، فيما اقترح السيناتور السابق "ريك سانتورم" التودد إلى برويز مشرف، كطريقة للتعامل مع باكستان، دون أن يدري بأن الرجل يقضي فترة المنفى في لندن ويواجه الاعتقال في حال العودة إلى بلاده. أما رجل الأعمال "هرمان كين" فقد استبق جهله بالسياسة الخارجية بإطلاق النكت والطرائف والاعتراف بعدم معرفته بأسماء رؤساء الدول، وهو ما يعيدنا إلى المرشح الأوفر حظاً في الحصول على تزكية الحزب الجمهوري، ميت رومني الذي يبدو أنه استعان بمستشاري السياسة الخارجية في إدارة بوش السابقة، ويتضح ذلك من اقتراحه زيادة عدد القوات المسلحة الأميركية بحوالي مائة ألف جندي لتعزيز القوة الأميركية وتوسيع نفقات الدفاع، دون أن يشير إلى عجز الموازنة واتفاق الحزبين على تقليص الإنفاق العسكري، كما أنه لم يوضح أبداً كيف يستطيع توفير 100 ألف جندي في حين نعاني من وطأة الديون الثقيلة. والأكثر من ذلك فشل رومني أيضاً في تحديد طبيعة القوة التي يجب الاعتماد عليها لمواجهة تحديات المستقبل، فمن غير المرجح أن تعمد أميركا إلى تكرار الانتشار البري الواسع الذي قامت به في العراق وأفغانستان لتُستبدل بالقوات الخاصة والطائرات بدون طيار الأكثر قدرة على التعامل مع الإرهاب. فهل تفادى رومني الإشارة إلى هذه القضايا والدخول في التفاصيل خوفاً من الإشارة إلى نجاح أوباما في قتل بن لادن دون الزيادة في عدد القوات؟ ربما، لكن من الغريب فعلا أن يُقترح توسيع في عديد القوات الأميركية دون تحديد سبب هذا التوسيع والحاجة إليه. والحقيقة أن هذا الأسلوب السطحي في التعامل مع السياسية الخارجية ينتقل أيضاً إلى أفغانستان، حيث تخلى رومني عن موقفه السابق القاضي بإعادة الجنود الأميركيين إلى الوطن، مطالباً اليوم بإجراء "مراجعة شاملة" للحرب هناك، فهل نملك ترف الوقت للقيام بمراجعة؟ وفي الشرق الأوسط يتجاهل رومني تماماً الحديث عن السلام، مكتفياً بالإشارة إلى التزام أميركا بالمساعدات الاقتصادية والديبلوماسية، في الوقت الذي يطالب فيه الجمهوريون أنفسهم بخفض موازنة وزارة الخارجية. وفيما يتعلق بإيران يتبنى رومني خطاباً متشدداً مكرراً أن حصول طهران على أسلحة نووية "أمر غير مقبول" دون أن يوضح أين ستختلف سياسته مع تلك التي انتهجها أوباما في الملف الإيراني. لكن ربما كان ذلك أفضل مقارنة ببعض مطالب الجمهوريين بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران يجمع الخبراء العسكريون أنها لن تؤدي إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني وستكون لها تداعيات خطيرة. والواقع أن مثل هذه التعليقات غير الموفقة بشأن السياسة الخارجية هي ما يقلقني بشأن الحزب الجمهوري الذي لا يبدو أنه مستعد للتعامل مع التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم، وضرورة تأقلم الولايات المتحدة مع معطياتها. وإذا كان المرشح "هانتسمان" يدرك هذه التغيرات ويطالب ببناء أميركا أولا باعتبار ذلك يندرج في الأمن القومي الأميركي، ويحذر من انسحاب متسرع من أفغانستان، فهو يبقى مع الأسف المرشح الأقل حظاً في التأهل للسباق الرئاسي، لنظل في الأخير صحبة مجموعة من المرشحين ما زالوا يصرون على التفوق الأميركي والتلويح باستخدام القوة، فيما أميركا تنهار من الداخل! وفي حال استمر خداع النفس هذا، لا أعتقد أن القرن الأميركي سيرى النور في يوم من الأيام. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"