ما حصل في القاهرة منذ أيام في المواجهات بين مواطنين مصريين أقباط وقوات الجيش أمر غير مقبول. في معزل عن الأسباب، والخلفيات والمسؤوليات عمن بدأ بإطلاق النار والاستفزاز. كل هذا على أهميته لا يفيد. فما جرى مؤشر لمسلسل من التوتر المتنقل. يأخذ بعداً طائفياً. ومسألة التعاطي مع الأقباط وحقوقهم ليست أمراً جديداً طرح وفاجأ الناس. ثمة تراكمات كثيرة في العلاقة بينهم وبين السلطة. وثمة مواقف لبعض القوى الدينية لا تنسجم مع انتماء الأقباط إلى مصر. هم مواطنون مصريون. ليسوا لاجئين، وليسوا طارئين. وعلى الدولة أن تعاملهم معاملة سويّة كما تعامل كل أبنائها ولكل من هؤلاء خصوصياته ينبغي احترامها. وهم شركاء في بناء الدولة وتطويرها وتنمية مؤسساتها وتعزيز دورها وحضورها وقد برز منهم كثيرون في هذه العملية. والأهم من ذلك أنهم لم يخرجوا عن انتمائهم العربي. البابا شنودة، كانت له ولا تزال مواقف مشهودة رغم كل الإشكالات التي واجهت أبناء كنيسته. كان حريصاً على وحدة مصر وعروبتها وتماسك أبنائها. وكان صوتاً مدويّاً مدافعاً عن الفلسطينيين وقضيتهم. لا يجوز إلا أن يعزز هذا الدور ويحمي ويكرّم ويبنى عليه لتعزيز الأمن والاستقرار في مصر. الحديث عن استهداف مصر ليس جديداً. وليس اكتشافاً. بل هو أمر طبيعي، ولن تتوقف إسرائيل ودول كثيرة عن هذا الاستهداف. مصر أم الدنيا، مصر الشقيقة الكبرى. مصر الرافد الكبير للعروبة، مصر الخيرات والنضال. والعنفوان والطيبة. ومصر الشعر والفكر والأدب والصحافة والثقافة والفن والموسيقى والإبداع والتاريخ... ولذلك ستكون مستهدفة من عدوّها التاريخي وحلفائه، وكذلك من الذين لا يرتاحون لدورها حتى وهي تواجه هذا العدو بوسائل مختلفة على المستوى الشعبي. عندما بدأت التحركات في العالم العربي، تونس، ثم مصر، ثم اليمن... اعتبر كثيرون أننا أمام ثورات شعبية. قلت هذه فورات شعبية. لسنا أمام ثورات في ظل غياب أحزاب ومؤسسات سياسية وبرامج ومخططات ورموز لها تأثيرها في حياتنا اليومية في الشرق عموماً. حتى الآن لم تستقر الأوضاع في مصر. كل ما تحقق إسقاط الرئيس. قد يكون هذا بحد ذاته هدفاً كبيراً مهماً انطلاقاً من قناعات كثيرين أنه مسؤول عمّا آلت إليه مصر في ظل حكمه ومع فريقه وخصوصاً بسبب الإصرار على توريث نجله. خرج الرئيس. يشمت به كثيرون عندما يرونه على فراش المرض أو "التمارض" داخلاً إلى قفص المحكمة. ويشمت آخرون بوزرائه وأركان حزبه. لكن ثمة ما يشبه الإجماع أن النظام لم يسقط به. كل رموزه موجودون في مواقع مختلفة. أساليبه. إدارته. هيكليته. بناه التحتية السياسية والتنظيمية موجودة. رجاله موجودون. عسكره موجود. صحيح أن ثمة بداية لإصلاح ما أو بالأحرى لتغيير تدريجي ما. لكن أمام الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمخاطر المحدقة بمصر والفراغ الكبير الذي تعيشه مؤسسات القرار السياسي. لا يمكن بالتأكيد قيادة عملية التغيير ومواجهة الأقباط في الشارع، وتعميق الانقسامات الداخلية، وخلق مناخ من عدم الاستقرار. ما يجري اليوم مناقض تماماً لمسار التغيير، ولمصلحة التغييرين أياً كانت انتماءاتهم السياسية. عدم الاستقرار يفتح الباب أمام أي طرف داخلي أو خارجي يريد أن ينفذ مآربه الخاصة. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فكل شيء متوقع حصوله. وإذا كان ثمة حقوق للناس فبالتأكيد في ظل الفوضى وعدم الاستقرار تضيع الحقائق وتضيع الحقوق ونصبح أمام حالة من الضياع الكامل. وهذا لا يخدم إلا إسرائيل على حدود مصر، وكذلك الذين لا يريدون استقراراً في الدول العربية، أو الذين يريدون استغلال الحركة التغييرية في مصر أو مصادرتها، أو الذين يريدون الإيحاء إن تغيير الأنظمة لم يوفر الاستقرار والتغيير للشعوب! يجب الإسراع في وضع حد لهذه الحالة في مصر والاستفادة مما يجري هناك في مقاربة الوضع في الدول الشقيقة الأخرى. فلا يعتقدّن أحد أنه إذا تلاعب بهذه الساحة ودخل على خط أوضاعها لإعاقة التغيير فيها أو كردّ فعل على دعم التغيير أنه سيكون بمنأى عن هذا المسلسل. لن يكون أحد في المنطقة بمنأى عن نتائج ما يجري. ولا يكفي أن يعتقد البعض أنه إذا كان ضد إسرائيل أو أميركا فقد أباح لنفسه كل شيء أو تميّز عن غيره، وهو سيكون بمنأى عن نتائج ما يجري. الموقف ضد إسرائيل وأميركا مهم جداً. لكن إدارة هذا الموقف وطريقة التعامل مع الأحداث مسألة مهمة بل ملازمة بأهميتها لجوهر الموقف. والتسابق على السلطة في ظل عملية التغيير حق مشروع لكل فريق مساهم في هذه العملية. لكن جدولة الأولويات وإدارتها بشكل جيد عنصر حاسم في النجاح. أما أن يكون التحرك غير مدروس كما ظهر في الفترة الأخيرة في مصر، فهذا لن يقود إلا إلى مزيد من الإرباك ويكون الدور الخفي والمؤثر للقوى العبثية أو الظلامية التي لا تقيم اعتباراً للاستقرار كأولوية بل تعتبر أن الأهم هو حضورها ودورها وتأثيرها في مسار الأحداث وهي تراهن على الوقت. الوقت في هذا المعنى لن يكون لصالح "التغييريين" والاستقرار. ليس الآن وقت تصفية الحسابات بين "القوى السلفية" والقوى الإسلامية الأخرى. أو بين كل هؤلاء والأقباط. أو بين هذا أو ذاك من هذه القوى المكونة لحركة التغيير، وليس مقبولاً. والأقباط عنصر أساسي من عناصر استقرار مصر وموقعها ودورها القائمين على التنوّع في إطار وحدة الموقف السياسي ينبغي حمايته والانتباه له وتعزيزه.