نتمنى وفي أسرع وقت ممكن أن تتوقف كل العمليات العسكرية والأمنية في العراق وأن يتوقف مسلسل التفجيرات الذي يودي بحياة المدنيين وأن يستقر الوضع الأمني نهائياً وأن تعود إلى العراق سيادته وحريته، ويعود إلى لعب دوره الطليعي في المنطقة وقد آن للشعب العراقي أن يتنفس ويرتاح ويستعيد حياته الطبيعية ويعود إلى الإنتاج. لكن في انتظار تحقيق ذلك ثمة أسئلة كبرى تطرح حول الأوضاع الأمنية التي ازدادت وتيرتها في الأيام الأخيرة خلافاً لتصريحات بعض المسؤولين العراقيين واستهدفت مراكز دينية تتعرض لأول مرة للتفجير وهي الكنائس التي كان يؤدي فيها المؤمنون الصلاة وسقط من بينهم شهداء أبرياء. وكان لتلك العمليات صدى سلبي في العالم كله خصوصاً في العالم الإسلامي.
وإلى أن تعيد الحكومة العراقية المؤقتة بناء مؤسساتها وإجراء انتخابات وتوفير استقرار سياسي يعزز مسيرة بناء المؤسسات الأمنية لتتمكن من أداء دورها وتحمل مسؤولياتها، من هي الجهة المسؤولة عن الأمن هناك؟ أليست قوات الاحتلال التي تغير اسمها لتصبح متعددة الجنسيات؟ وهل صحيح أنها غير قادرة على ضبط الحدود وتوفير الحماية للمؤسسات العامة الدينية وغير الدينية في البلاد؟ إذا كان الأمر كذلك فهذا تأكيد لفشل ذريع يتحدث عنه الجميع ولا تفعل الإدارة الأميركية شيئاً لمعالجته. وإذا كان الأمر غير ذلك، أي أن القوات قادرة على تحمل مسؤولياتها، فإن هذا يطرح أسئلة حول عدم قيامها بالواجب لاسيما وأن ثمة مخاوف مشروعة من أهداف السياسة الأميركية – الإسرائيلية في العراق والتي تسعى في بعض جوانبها إلى إثارة النعرات الطائفية والمذهبية وتفتيت البلاد وإنهاكها، وبالتالي افتعال أي شيء يمكن أن توجه من خلاله أصابع الاتهام إلى "الإسلاميين" و"الإرهابيين" لتبرير الفشل من جهة، واستكمال حلقات المشروع من جهة ثانية وابتزاز دول الجوار وتخويفها من جهة ثالثة، وللانتقام من مواقف الفاتيكان الرافضة للحرب، وإثارة مخاوفه ودفع دوائره إلى تغيير توجهاتها من جهة رابعة.
هذا هو التفسير الأرجح لتفجيرات الكنائس دون الوقوع في ديماغوجية الحديث عن نظرية المؤامرة دائماً. لأنه يصعب التصديق أن هذه القوات المنتشرة في كل مكان والقادرة على فعل كل ما يعجز عنه الآخرون تبدو عاجزة. كما يصعب التصديق أن "أبو مصعب الزرقاوي" ولا ندري من هو هذا الشبح، هو العقل المخطط والمدبر والمنفذ لكل ما يجري في العراق. إنها حرب ضد مجهول تدمر كل ما هو معروف!! وتقضي على كل شيء. ولذلك فإن قوات الاحتلال هي المسؤولة عن الأمن والفشل وهذا ما أقر به مؤخراً رئيس الحكومة العراقية إياد علاوي الذي أعاد السبب إلى حل هذه القوات للمؤسسات الأمنية بعد احتلالها بغداد.
هل يعني ذلك تبرئة بعض الجهات التي تحمل راية المقاومة وتقتل المدنيين وتقوم بأعمال غير مشروعة؟ بالتأكيد لا. وقد سبق أن تطرقنا إلى هذه النقطة في أكثر من مقال ومناسبة. فمقاومة الاحتلال شيء وتدمير مؤسسات الدولة والعبث بها وقتل المدنيين شيء آخر. مقاومة الاحتلال مشروعة أما اختطاف الأجانب وتحويلهم رهائن وابتزاز أهلهم وشركاتهم ودولهم لدفع مال أو محاولة فرض شروط معينة هو خطر على المقاومة وإساءة لسمعتها ودورها وأهدافها النبيلة. ومقاومة الاحتلال واجب أما القتل الجماعي للمدنيين تحت أي عنوان فجريمة تحتاج إلى مقاومة! كذلك إذا كان بعض "الإسلاميين" يقفون وراء تفجير الكنائس فإن في ذلك غباءً وحقداً وعبثاً لا يخدم على الإطلاق الإسلام دين التسامح ولا المسلمين المستهدفين اليوم والمتهمين بكل الاتهامات من قبل الأميركيين والإسرائيليين، ولا يخدم مصالح العراق. فالمحافظة على التنوع الديني أمر لا تريده أميركا ولا تريده إسرائيل. وبالتالي المحافظة على التنوع الثقافي والفكري والحضاري وعلى الثروة العراقية البشرية والروحية والمادية عموماً أمر لا تريده الدولتان أيضاً، والمحافظة على علاقات عربية إسلامية جيدة مع الفاتيكان خصوصاً بعد موقفه التاريخي ضد الحرب والفتن، أمر أزعج ويزعج الأميركيين وأسقط عنهم الصدقية، وترك أثراً كبيراً داخل أميركا وعلى مستوى الكنيسة الكاثوليكية في العالم. وبالتالي فإن استهداف الكنائس في العراق أمر لا يخدم إلا أميركا وإسرائيل ولا يمكن لأي مسلم عاقل أو وطني أو قومي صادق أن يتبناه ويقف وراءه.
إن المطلوب اليوم وقفة جدية أمام مخاطر هذا الحدث الكبير ونتائجه السلبية على العراق. وإذا كانت كل المواقف أجمعت داخل العراق على إدانة التفجير وترك الأمر انطباعاً وأثراً إيجابيين لدى أبناء الكنيسة، فإن ذلك لا يكفي لبلسمة جراح ومعالجة تهديد وخطر قائمين ولتبديد هواجس ومخاوف وقلق، خصوصاً إذا ما انتهى مفعول تلك المواقف عند حدود رد فعل على حدث!
إن المطلوب فعل حقيقي دائم ومستمر لحماية وتثبيت الوحدة الوطنية العراقية وهذه مسؤولية كل الشرائح الاجتماعية والسياسية والدينية في العراق لاسيما منها الإسلامية، التي تشكل الغالبية في البلاد والتي يجب أن تقدم النموذج في المحافظة