كلما تابع المرء الأصداء العالمية لثورة 25 يناير التي جاءت من العالم الافتراضي وغزت المجتمع الواقعي، واستطاعت إسقاط النظام السياسي الاستبدادي السابق، فإنه يعجب من امتداد تأثيرها إلى مختلف قارات العالم. كنت منذ أيام أتابع بصورة منهجية الانتفاضة الثورية الأميركية ضد مثالب النظام الرأسمالي التي شعارها "احتلوا وول ستريت"، وهو الحي الذي يرمز إلى أكبر قوة رأسمالية في العالم، ففوجئت بأن أحد شعارات هذه الانتفاضة غير المسبوقة "فلنعولم ميدان التحرير"! ويقصدون ميدان التحرير بالقاهرة الذي أصبح علامة على انتصار الثورة الشعبية التي كان شعارها "سلمية سلمية"، وهي بذلك أرست مبدأ خطيراً هو أن القوى السياسية الثورية في أي قطر تستطيع عبر انتفاضة سلمية أن تسقط نظاماً استبداديّاً راسخاً، أو تغير من سياسات الرأسمالية المتوحشة، التي أدت إلى الإثراء الفاحش للقلة والفقر المدقع لغالبية الشعب، أو كما تقول شعارات الانتفاضة الثورية الأميركية نسبة الواحد في المئة من السكان الذين يتمتعون بغير حق وبطرق غير مشروعة بمجمل عوائد الاقتصاد القومي، في مقابل 99 في المئة من السكان وهم يمثلون الغالبية العظمى في أي مجتمع. وليست غريبة هذه الأصداء العالمية لثورة 25 يناير، لأنها قدمت طوال الفترة الثورية التي امتدت من 25 يناير إلى حوالى 17 فبراير صوراً ونماذج من القيم، وضروباً من السلوك لفتت أنظار العالم. وقد دهش المراقبون الأجانب حينما شاهدوا في ميدان التحرير مئات الألوف من المسلمين يؤدون صلاة الجمعة، وبعد ذلك مئات الأقباط يرتلون أناشيدهم الدينية. هذه النماذج السلوكية التي أظهرت الندّية الكاملة بين المسلمين والأقباط الذين شاركوا معاً في إشعال فتيل الثورة، وفي المساواة الكاملة بين الرجال والنساء على اختلاف أنماطهن فقد كانت بينهن المحجبة والمنقبة والسافرة، وأهم من ذلك التمازج النادر بين كافة طبقات الشعب من أغنى الفئات إلى أفقرها لأنهم عملوا في ميدان التحرير باعتبارهم كتلة ثورية واحدة دينية اجتماعية متماسكة. وهذه الصورة النموذجية للسلوك المصري أطلقت عليها في أحد مقالاتي عن الثورة "يوتوبيا ميدان التحرير"، وكنت أقصد أنها أشبه بـ"مدينة فاضلة" مصرية تشق طريقها من خلال الإحباط واليأس والتفكك الاجتماعي والانفلات القيمي والصراع الطبقي، لكي تبرز أن ثمة حلماً يتمنى المصريون من كافة فئاتهم لو حققوه في الواقع بعد الثورة، وهو بناء مجتمع متماسك له أهداف محددة، تسعى إلى الرقي بالإنسان وتسوده المساواة الكاملة، في ضوء مبدأ "المواطنة" حيث لا تمييز هناك بين مسلم وقبطي، أو بين علماني أو ليبرالي لأن الكل -وفق انتماء كل واحد- يعمل في ضوء رؤية استراتيجية موحدة الأهداف غير أن الوسائل قد تختلف هنا أو هناك. أنا لا أحكي هنا عن قصة خيالية وإنما عن مشاهد واقعية مسجلة بالصوت والصورة في سجلات الثورة الظافرة. ولذلك يبرز السؤال المهم ما الذي حدث بين 25 يناير إلى الأمس، حيث قامت الأحداث المؤسفة بين جموع الأقباط وقوات الأمن والجيش التي تحمي مبنى التلفزيون في القاهرة؟ علينا أولاً أن نستدعي السجل التاريخي، لكي نعرف أنه حدثت قبل ذلك حوادث متعددة عبر السنين الماضية أطلق عليها "الفتنة الطائفية"، التي كانت تتمثل في الاعتداء على كنائس الأقباط بصور متعددة، أو على أشخاصهم في حوادث مختلفة، منها الشجارات والمعارك العادية بين أسر مسلمة ومسيحية أو بين أفراد من هنا أو هناك، ومنها وهذا أخطر الاعتداء العمدي على الكنائس، والقيام بحرق بعضها بواسطة بعض التيارات الإسلامية المتطرفة. وقد لاحظنا عبر السنوات الأخيرة نمو تيارات متطرفة دينية هنا وهناك. غير أن الأمانة تقتضي منا أن نقرر أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق التيارات الدينية الإسلامية المتطرفة التي تتبنى رؤى متخلفة عن العالم، وتريد أن تجعل الماضي بكل ما فيه من سلبيات يتحكم في الحاضر ويهيمن على المستقبل. والحقيقة أن هذه التيارات الإسلامية المتطرفة، سواء اتخذت شكل التيارات السلفية أو غيرها من الأشكال التي تتوحد في خطابها بصدد استدعاء الماضي ليحكم الحاضر، لا تهدد الوحدة الوطنية فقط باعتداءاتها على الأقباط، سواء في ذلك من خلال خطابها الإقصائي العدائي الذي لا يقبل الآخر، أو عن طريق مظاهراتها الحاشدة التي شهدناها في السنين الأخيرة، والتي كانت تهدف إلى التدخل غير المقبول في شؤون الأقباط أو، وهذا أخطر، عن طريق الاعتداء المباشر على الكنائس أو الممتلكات القبطية. ويمكننا التأكيد أن أسباب الفتن الطائفية التي انتشرت في السنوات الأخيرة تعود إلى مصادر متعددة، ولعل أخطر هذه المصادر سياسة التمييز الحكومية في مجال بناء الكنائس، والعقبات الإدارية العديدة التي توضع لتعويق هذا البناء، استناداً إلى حجج بيروقراطية واهية وأسباب إدارية لا معنى لها. وقد وصلت هذه الرسالة السلفية إلى الأقباط ودلالتها أن الجهات الحكومية تميز ضدهم، لأنه في الوقت الذي ليس فيه أي عقبة لبناء المساجد التي تزايدت أعدادها، توضع العقبات أمام بناء الكنائس بما يعني تمييزاً رسميّاً صريحاً أو ضمنيّاً ضدهم. وقد أدى هذا السلوك المعيب إلى إشعال نار الغضب في صدورهم الذي ظهر جليّاً في التظاهرات القبطية الأخيرة، التي قامت احتجاجاً على حرق كنيسة أسوان نتيجة تحريض أحد أئمة المساجد، الذي لم يساءل جنائيّاً حتى الآن. إن المواجهة التي تمت بين شباب الأقباط وقوات الأمن في المظاهرات الأخيرة تشير إلى خطورة استمرار الحال على ما هو عليه، وتستدعي سرعة إصدار القانون الموحد لبناء دور العبادة، وإعطاء الأقباط باعتبارهم مواطنين مصريين كامل الحقوق في بناء كنائسهم وممارسة طقوسهم الدينية. وأهم من ذلك كله إصدار تشريع يجرم كل من حرض على الفتنة الطائفية أو يشارك في أحداث تؤدي إليها أيّاً كان انتماؤه الديني، فذلك كفيل بخلق نوع من الردع العام من شأنه أن يرسخ قواعد المواطنة التي نصت عليها الدساتير المصرية منذ دستور عام 1923 وحتى اليوم حينما قررت أن المصريين سواء أمام القانون. غير أنه ليس بالقانون وحده تعيش المجتمعات ولكن لابد من صياغة سياسة فعلية متكاملة تنعكس آثارها في التعليم والإعلام ومجالات الثقافة المختلفة تركز على المواطنة وتمنع أي تمييز بين المصريين. أما الأحزاب السياسية القديمة والجديدة، وكذلك الائتلافات الثورية التي شكلت بعد الثورة، بالإضافة إلى سلسلة المرشحين المحتملين للرئاسة، فلم يدركوا بعد أن الدولة المصرية معرضة للانهيار، وأن الوطن في طريقة إلى التفتت ما لم يرتفع الجميع إلى مستوى المسؤولية التاريخية التي ينبغي أن تعلو على أية أهداف سياسية صغيرة. والحفاظ على الدولة المتماسكة والتشبث بالوطن الواحد والتمسك بالوحدة الوطنية هذه هي الأهداف العليا التي علينا جميعاً أن نعمل على تحقيقها وإلا حكم علينا التاريخ بأننا لم نكن نستحق ثورة 25 يناير، بل لا نستحق أن نعيش أحراراً في وطن حر!