لا تستطيع "نوبل للسلام" ادعاء أنها متوفقة دائماً في خياراتها، خصوصاً عندما تبدو ولو في حالات قليلة، منحازة إلى حد التهوّر، أو غارقة في "رؤية سويدية" لا تعرف كيف يعيش هذا العالم. قبل عامين مثلاً، استحق اختيار أوباما تصفيقاً عالميّاً لـ"نيات السلام" التي كان أبداها. وبعد عامين، ها هو يبتعد عن الروح التي أشاعها. في السنة المقبلة قد تذهب الجائزة إلى ناشطي "الربيع الأميركي" البادئ لتوّه في الاحتجاج والمطالبة بإسقاط "عقلية وول ستريت" التي لا تنفك تنتقل بالاقتصاد الكوني من تهديد إلى تهديد. هذا الجشع "الوول ستريتي" الذي يستثير "شباب الثورة" في مدن أميركا، هو الوجه الآخر للعنت الاستبدادي الوحشي الذي يثور شباب "الربيع العربي" ضده. فالفارق نسبي فقط بين ديكتاتورية أسواق المال المتنكرة بشعارات العالم الحر، وبين ديكتاتوريات سياسية نخرها الفساد وأدّت وتؤدي إلى إفقار الناس وسدّ الآفاق في وجوههم. هذه السنة برهنت "نوبل للسلام" على ذكاء وحساسية مرهفة في اختيارها المرأة كرمز حقيقي للنضال السلمي. يمكن الاعتراض على إقحام رئيسة ليبيريا في الصورة، لكن الاعتراف بجهد مواطنتها "ليما غبوي" بدا أقرب إلى الفكرة التي توخت لجنة الجائزة تظهيرها. كان عمل آلين جونسون سيرليف كفاحاً سياسيّاً داخل سرايات الحكم، ولا شك أنها تمتعت بالشجاعة والكفاءة لتقود بلاداً خارجة من حرب أهلية إلى معارك التنمية الشاملة. أما "ليما غبوي" فكانت طوال الوقت ملتصقة بالأرض وفي مواجهة مباشرة مع ذكور الحرب ومجازرهم واضطهادهم للنساء واستغلالهم للأطفال. كانت وسط صراع لا رحمة فيه، بل لا معايير بشرية فيه، ومع ذلك استطاعت أن تنتصر وتفرض نفسها، بل أن تبقي للقيم الإنسانية حيزاً وسط شريعة الغاب السائدة. من شأن كل عربي أن يرسل تحية إلى توكل كرمان، تحية إعجاب وافتخار ودعم لهذه المرأة اليمنية التي لا ينافس قوة كلماتها سوى بساطتها في التفاني من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية لشعبها. لا، ليست قيم الغرب هي التي اختارت توكل لتكريمها، إنها القيم الحقيقية لمجتمعها التي نسيها الحكم وأهل السياسة وكان لابد لهذه المرأة أن تترك كل شيء في حياتها لتعيد التذكير بأن ثمة إنساناً متروكاً لمصيره في اليمن. لم يكن هناك شك أن "نوبل للسلام" انشدّت هذه السنة إلى الروح الجديدة التي أشاعها "الربيع العربي"، وكان اسم توكل الأقل تداولاً، وما أن اختيرت حتى بدا الأمر بالغ الإنصاف والطبيعية، خصوصاً أن الخبر بلغها وهي في خيمة الاعتصام في ساحة التغيير في صنعاء. كل الأسماء التي رشحت استحق أصحابها الفوز، التونسية لينا بن مهني، المصريون إسراء عبدالفتاح وأسماء محفوظ ووائل غنيم، جميع هؤلاء وكثيرون ممن لم يرشحوا بات مستقبل العالم العربي يدين لهم على رغم كل المطبّات القائمة التي سيتعرض لها هذا "الربيع" وسنونواته المغردة. بدا الانحياز للمرأة واضحاً في "نوبل للسلام" باعتبارها قوة معنوية جديدة يمكن الرهان عليها. فعدا استثناءات قليلة بقيت الديكتاتورية حكراً على الرجال الذين قدموا فيها اجتهادات لإغناء فنون الإجرام والفظاعة. لم يكن مستهجناً أن يكون للمرأة المصرية أو التونسية حضور في حراك التغيير، على رغم التراجعات الملموسة في وضعها مع صعود تيارات التخلف والظلامية والتوظيف البغيض للدين. لكن ظهور المرأة في ثورة اليمن حمل رسالة أخرى متقدمة إلى الداخل أولاً، ثم إلى الخارج، بعد زمن طويل من الإهمال والتهميش والاضطهاد. لم تأتِ توكل كرمان من المجهول أو من الفراغ، كانت دائماً حاضرة لتقول كلمتها المدوية وتدهش النساء قبل الرجال بتمردها على الواقع. وعندما جاءت اللحظة المرتقبة أثبتت أنها ليست مجرد ظاهرة صوتية بل أصبحت ملهمة "ساحة التغيير" وبوصلتها. فمع كل محطة سياسية لإجهاض الثورة لا أحد يستطيع، حتى المعارضة التقليدية، تجاوز الرأي الذي تعلنه توكل من خيمتها. صارت حارسة الطموح الوطني في مواجهة عصابات الحقد "الوطني" وحراسه. وبذلك كانت في "الموقع الطبيعي" للمرأة العربية كما وصفتها ريما خلف الأمينة التنفيذية لـ"أسكوا" (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا في الأمم المتحدة). أهدت توكل كرمان جائزتها إلى جميع نشطاء "الربيع العربي". لعلها تذكرت في تلك اللحظة جميع الذين قدموا حياتهم عربوناً لغد أفضل، أو تعرضوا لعاهات جسدية دائمة أو اعتقلوا وعذبوا، أو فقدوا أو تهجّروا. لعلها تذكرت خصوصاً الصبية السورية المدوّنة طل الملوحي في سجنها، أو حتى زينب الحسني التي استخدمتها الأجهزة السورية مرتين، أولاً بتسليمها ذويها جثة مقطّعة، ثم بإظهارها حية متلفزة من دون أن يعرف أهلها لمن الجثة التي دفنوها في ضريح لا يزال يحمل اسمها.