يُعرّف المعنيون بالعلوم الشرعية مصطلح "فقه الأولويات" بأن يكون المرء على معرفة بما هو أجدر من غيره في التطبيق.. ويتعين على المسلم أن يؤدي واجبات دينه بدءاً من الأهم ثم المهم، والتركيز على الأصول قبل الفروع، فأداء الفرائض مقدم على السنن. وكذلك السنن مقدمة على المستحبات.. ولا ينبغي أن يجتهد الشخص في أداء السنن وهو يضيع الفرائض! بعض الناس يتعامل مع الدين حسب ما يهوى وليس وفقاً لما هو أصحُّ ديناً. فمن الخطأ أن يجتهد الشخص في قيام الليل ثم ينام عن صلاة الفجر، أو يحرص على أداء الحج مراراً والعمرة في السنة مرة أو أكثر، وينفق في سبيل ذلك المال الكثير، إلا أنه في نفس الوقت لا يواظب في إيتاء فريضة الزكاة، أو يبخل في الصدقات، أو يستكثر في أن يتبرع بمبلغ من المال للجهات الخيرية لدعم برامجها الإنسانية. كما أن هناك من يخرج لدعوة الناس إلى الهداية في أقاصي الأرض بينما أهل بيته أحوج للإصلاح! وهذه الأمثلة آنفة الذكر وغيرها كثير تعد من مظاهر الخلل الذي يعيشه البعض في تقرير الأولويات، وللأسف فهم يتعاملون مع الدين بما يوافق هوى النفس وليس وفقاً للأولويات. كثير من الناس يقعون في نفس المشكلة ليس فقط في أمور العبادات وعلاقة المخلوق بالخالق، ولكن أيضاً في فقه الحياة وتنظيم الأمور الشخصية والمؤسسية. فالبعض لا يستطيع أن يفرق بين ما هو من صميم عمله وما يجب أن يبذل فيه جهده ويتقنه، وما هو مستحب وجهد إضافي يقوم عندما ينجز مسؤولياته على أكمل وجه.. أو أن قدراته الذاتية والمهارية تتيح له الاستزادة في الأعمال الثانوية دون إخلال بالمسؤوليات الرئيسية. حيث يفترض في الموظف المؤتمن على مسؤوليات عمله الذي يكسب منه قوته أن يؤديها بإتقان وإخلاص.. ولكن هناك من يشغل نفسه بمسؤوليات ومهام وأعمال إضافية وثانوية، وهو أصلًا مقصر في واجباته الأساسية. وهناك نماذج من بعض المدرسين ومديري مدارس وصل اهتمامهم بالأنشطة المدرسية والحرص على المشاركة في كل الفعاليات والبرامج اللاصفية إلى حد يؤثر في عملهم الأساسي في تعليم الطلاب ونقل العلوم والمعارف إليهم ويخلف قصوراً في هذا الجانب، ومنهم من يثابر في إعطاء الدروس الخصوصية بينما هم في الفصول لا يعطون الطالب حقه. وهناك من يشارك بكل حماسة في أعمال تطوع وخدمات مجتمعية لكنه غير متقن في وظيفته الأساسية أو حتى مُقصر فيه. فمثله كمثل من يصلح سقوف منازل جيرانه وسقفه يخر! وكان الأصوب أن يصلح سقف بيته ثم يتطوع لإصلاح سقوف منازل الآخرين. لا أنتقد التطوع كممارسة حضارية نبيلة، ولا أقصد التقليل من أهمية بذل الجهود في مختلف القطاعات.. وخاصة أن العمل التطوعي يستطيع كل شخص القيام به مهما كثرت مشاغله، ولكن على الشخص أولًا تنظيم أموره دون أن تتعارض الأعمال الإضافية مع الواجبات والمسؤوليات الرئيسية.. ولا يأتي شخص مهمل في وظيفته وغير مكترث بأداء واجباته وأعماله ثم تفاجأ بأنه يتصدر أنشطة تطوع وخدمات مجتمعية في أماكن أخرى، ليبرز في صفحات الجرائد، ويظهر بمظهر المتطوع المبادر في الخدمة المجتمعية! في علم الإدارة وتطوير الذات، يتم التأكيد دائماً على أهمية تحديد الشخص لأولوياته في الحياة الشخصية، وكذلك الحال بالنسبة لصاحب أي مشروع.. وضرورة أن تكون هذه الأولويات واضحة حتى تتحقق الأهداف والآمال، ومن غير ذلك يحصل هدر في الجهد والوقت والمال.