جاء قرار اللجنة العليا لتسجيل وتسعير الأدوية بدولة الإمارات خلال اجتماعها الأسبوع الماضي، باعتماد 73 صنفاً من الأدوية "الجنيسة" ، ليلقي الضوء مرة أخرى على أهمية الدور الذي تلعبه هذه الطائفة من العقاقير الطبية، في دعم نظم الرعاية الصحية الحديثة. وتستخدم أصناف الأدوية "الجنيسة" التي تم اعتمادها مؤخراً، بالإضافة إلى أصناف من العقاقير الأخرى التي تندرج تحت تصنيف الأدوية المبتكرة، والبيولوجية، والهرمونية، في عدد من الأمراض المختلفة كالسكري، واضطرابات التوحد، والهوس، وعدوى الجهاز التنفسي المختلفة، وضعف العضلات، والوقاية الأولية حول الجراحة، وما بعد العمليات الجراحية، وتخثر الدم. وتعرف الأدوية "الجنيسة" (Generic Drugs) ببساطة على أنها العقاقير التي يتم توزيعها، وبيعها، تحت الاسم العلمي الكيميائي، وليس تحت الاسم التجاري، وبدون نفقات تسويقية، أو ميزانيات للإعلانات. وبشكل أكثر تفصيلاً، الأدوية "الجنيسة" هي عقاقير طبية تتماثل في الجرعة، والتركيز، وطريقة التعاطي، والنوعية، وكفاءة الأداء، والهدف من الاستخدام، مع مثيلتها من العقاقير ذات الاسم التجاري. ولفهم هذا التصنيف بشكل أعمق، لابد بداية من التفرقة بين الدواء المحمي، والدواء الجنيس أو العام، النوع الأول أو الدواء المحمي، هو الدواء الخاضع لحقوق الملكية الفكرية أو حقوق براءة الاختراع، التي لا تسمح بتصنيع الدواء من قبل أية شركة أو دولة، غير الشركة التي اكتشفت الاستخدامات الطبية والعلاجية لهذا العقار بالتحديد. أما النوع الثاني أو الدواء العام فهو الدواء الذي انقضت فترة حمايته وخرج من تحت مظلة قوانين حماية الملكية الفكرية، وأصبح من الممكن قانونيّاً تصنيعه وبيعه من قبل أية شركة في أية دولة كانت. كما تجب التفرقة أيضاً بين الاسم العلمي، والاسم التجاري لنفس العقار، وهو الأمر الممكن تحقيقه بسهولة، من خلال أحد أشهر العقاقير المستخدمة في علاج الآلام والأوجاع البسيطة، وفي خفض درجة الحرارة لدى الأطفال والكبار، وهو العقار المعروف بالاسم العلمي "الباراسيتامول"، بناء على المادة الكيميائية الفعالة فيه. فهذا العقار، بخلاف الاسم العلمي، يباع تحت عشرات الأسماء الأخرى التجارية، مثل البانادول، والأدول، والتيلينول، وغيرها كثير، التي تشترك جميعها في المادة الفعالة. ولذا فإذا ما كتب الطبيب في وصفته الطبية مادة "الباراسيتامول"، فيمكن للصيدلي صرف أي من هذه الأسماء التجارية، أو يمكن للمريض أن يختار أرخصها سعراً، بناء على أن الأدوية "الجنيسة" تتماثل في جودة النوعية، وكفاءة الأداء. وهذا الفارق في السعر، وبخلاف موضوع الاسم التجاري، يعتبر هو نقطة الاختلاف الأساسية بين الأدوية "الجنيسة" والأدوية المحمية بحقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع، حيث غالباً ما تباع الأدوية "الجنيسة" بثمن أقل بكثير. ويعود السبب في هذا الفارق الهائل في السعر إلى حقيقة أنه عند خروج العقار من تحت ملاءة الحماية القانونية للملكية الفكرية وبراءة الاختراع، ينتهي أيضاً احتكار شركة واحدة لتصنيعه وتسويقه، ويسارع عدد من الشركات الأخرى بتصنيع نفس العقار، وهي المنافسة التي تؤدي حتماً إلى خفض سعر البيع النهائي بالنسبة للمستهلك. هذا بالإضافة إلى أن الشركات التي تصنع الدواء بعد انتهاء فترة الحماية لا تستثمر في البحوث الأولية الهادفة إلى اكتشاف فعالية الدواء واستخداماته من الأصل، ولا في البحوث السريرية التي تضمن أمن وسلامة العقار للاستخدام الآدمي، وهي البحوث التي تكلف مبالغ طائلة، لا يستطيع تحملها إلا الشركات متعددة الجنسيات العملاقة. وحتى بعد اكتشاف العقار، وتحديد مدى سلامته للاستخدام، تظل هذه الشركات تأخذ وتحلل البيانات من مستخدميه لمعرفة آثاره الجانبية على المدى الطويل، كما أن تسويق هذا العقار بشكل يجعله مقبولًا من قبل أفراد المجتمع الطبي يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، وسنوات من العمل الدؤوب. وهذه النفقات مجتمعة، بالإضافة إلى العائد المتوقع على الاستثمار، تشكل الجزء الأكبر من التكلفة النهائية للعقار. حيث يقدر أن 90 في المئة من السعر الذي يدفعه المريض -المستهلك النهائي- هو لتغطية نفقات البحوث، والدراسات، والتسويق، وتحقيق الأرباح، بينما لا تزيد قيمة المادة الفعالة وتكلفة التصنيع عن 10 في المئة من الثمن النهائي للأدوية. وبغض النظر عن الأسباب والنتائج التي ترفع من سعر الدواء أثناء فترة حمايته، ثم تخفض من سعره بأكثر من النصف عند خروجه وتحوله إلى دواء "جنيس"، تشكل هذه النقلة خفضاً هائلاً، يريح بقدر كبير ميزانيات نظم الرعاية الصحية التي أصبحت ترزح حاليّاً تحت وطأة العديد من الأمراض والأوبئة، وخصوصاً وباء الأمراض غير المعدية المزمنة بمختلف أنواعها. وإن كان هذا التحول يصيب شركات الأدوية بخسائر فادحة، ويدفعها أحياناً لمحاربة تحول الدواء إلى دواء "جنيس" بكل الطرق، بداية برفع القضايا القانونية والمحاكم، ونهاية ببعض الممارسات التي قد يشتبه أحياناً في مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية السليمة.