عندما اتخذ أوباما قراراً بخوض انتخابات الرئاسة، واجهته معضلة، تمثلت وقتها في أن السيناتور الشاب المنحدر من ولاية إيلينوي، كان من المعارضين للحرب على العراق، وكانت معارضته مسجلة، والكثير من أعضاء حزبه ينظرون شزراً للحرب الطويلة في أفغانستان. وفي الوقت نفسه، كان منافس أوباما المحتمل على قائمة الحزب الجمهوري، وهو السيناتور ماكين، المحارب القديم المحسوب على جناح الصقور، كما كانت منافسته من الحزب الديمقراطي السيناتور كلينتون التي كانت تتخذ موقفاً يضعها بالضبط في الوسط السياسي ويتيح لها أن تؤيد الحربين معاً. وقد أدرك أوباما في ذلك الوقت أنه لو اتخذ موقفاً مؤيداً للحربين، فإن ماكين وكلينتون على حد سواء، سوف يصفانه بأنه سياسي مثالي وساذج، ويتمكنان بالتالي من هزيمته بسهولة، لأنه سيكون في هذه الحالة كمن أيّد قرار إدارة بوش بغزو أفغانستان عام 2001. وهكذا لم يجد أوباما من سبيل أمامه سوى التلميح إلى أفعانستان باعتبارها الملاذ السابق الذي كان يأوي بن لادن وتنظيم "القاعدة" هي الجبهة المركزية الحقيقية للحرب على الإرهاب، أما غزو العراق فقد استنزف موارد حرجة صبت في حملة ثانوية. وعندما أصبح أوباما رئيساً كان من أوائل القرارات التي اتخذها قراره الخاص بزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان إلى 100 ألف جندي. وفي الوقت نفسه، ولكي يتجنب الدخول في التزام مفتوح المدة، حدد بوضوح أن تلك الأعداد الزائدة من القوات التي سيتم نشرها في أفغانستان سوف تظل هناك لمدة محدودة. والواقع أن استراتيجية أوباما بزيادة عدد القوات قد حققت بعض النجاح، وكبدت "طالبان" خسائر فادحة، لكن الولايات المتحدة لم تتمكن -رغم ذلك- من تحقيق التقدم الذي تريده حتى تصبح قادرة على القول بأي قدر من الثقة إنها قد تمكنت من كسب الحرب. والسؤال الذي فرض نفسه بقوة في ذلك الوقت، وما زال يفرض نفسه حتى الآن، هو: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحول انتصاراتها التكتيكية إلى نصر استراتيجي، في الوقت الذي تبدأ فيه بالفعل بسحب معظم قواتها المنتشرة هناك؟ الشيء الواضح تماماً في هذا السياق أنه عندما تبدأ الولايات المتحدة في سحب قواتها من أفعانستان بأعداد كبيرة، حسب الخطط الموضوعة وتنفيذاً للوعد الذي قطعه أوباما على نفسه وخلاصته أن تلك الأعداد الزائدة من القوات سوف تظل في أفعانستان لمدة محدودة فقط، فإن جميع الدول الأخرى الأعضاء في "الناتو" ممن قامت بنشر قوات في أفغانستان، إضافة للدول التي تتشكل منها قوة "إيساف" والموجودة في أفغانستان، سوف تبدأ هي الأخرى في الانسحاب من ذلك البلد. إن نجاح الولايات المتحدة و"الناتو" في أفعانستان يعتمد بشكل جوهري على الأمل في أن تتمكن قوات الجيش وقوات الأمن الأفغانية التي تم تشكيلها وتدريبها على أيدي التحالف من تحمل معظم العبء قبل انسحاب الكتلة الكبرى من القوات الأميركية من أفعانستان، لكن أداء هذه القوات حتى الآن تراوح بين الجيد والسيئ. وهذا الأداء لا يتعلق بنوعية تلك القوات، لكنه يتعلق بأن "طالبان" تمتلك ميزتين مهمتين: الأولى أنها لا تعترف حتى الآن بأنها قد هزمت. والثانية كونها تتمتع بملاذ في باكستان، وهو ملاذ لا تريد إسلام آباد -لأسباب متعددة- تدميره حتى الآن. لكن ورطة أوباما الكبرى في الحقيقة هي تلك التي يواجهها في الوطن، فالديمقراطيون، وأعداد متزايدة من الجمهوريين في الكونجرس، قرروا أن هذه الحرب يجب أن تنتهي، لأن هناك أولويات أخرى للولايات المتحدة، وأنه بدلاً من بناء الأمم وبناء الجسور في أفغانستان، يجدر بناءُ ذلك في الولايات المتحدة أولاً، وأنه إن كانت أفغانستان مهمة بالفعل، فإنها لا تمثل مصلحة أميركية حيوية أو مباشرة. هناك نقطة أخرى في غاية الأهمية، وهي أن القوى الإقليمية، أي الهند وإيران وروسيا والصين، سوف تقوم حتماً في نهاية المطاف بالسعي للعب دور في شؤون المنطقة. ولو كان من الممكن لتلك القوى لعب هذا الدور بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة، فذلك سوف يكون هو الوضع الأمثل. لكن المشكلة في هذا الصدد أن باكستان والهند بينهما جفاء معروف: فباكستان تعتبر أن الهند تمثل تهديداً لوجودها وتريد بالتالي السيطرة على الجزء الأكبر من جنوب أفغانستان عندما يرحل عنه الأميركيون. وإذا ما حدث هذا فإنه مما لا شك فيه أن "التحالف الشمالي" الذي كان مدعوماً من قبل روسيا وإيران والهند، سوف يبرز مجدداً وهو ما يمكن أن يهدد في هذه الحالة بنشوب حرب أهلية بين شمال أفعانستان وجنوبها مرة ثانية. وبالطبع لا يمكن لأحد أن يعتبر ذلك بمثابة نصر مدوٍ للدبلوماسية الأميركية أو الغربية على العموم، بل إنه في الحقيقة يكون بمثابة النهاية لأي مهمة للناتو في هذا الجزء من العالم. مع ذلك، ومن أجل الحيلولة بين تحول مثل هذا السيناريو إلى خط استراتيجي للولايات المتحدة، فثمة حاجة لإيجاد طريقة للتأكد من أن الحكومة الباكستانية قادرة على الاستمرار، وأنها هي نفسها لن تكون ضحية للحرب الأهلية التي يمكن أن تندلع. وعند تلك النقطة فإن موضوعاً مثل موضوع التحكم والسيطرة على ترسانة باكستان النووية سيغدو بالطبع موضوعاً في غاية الأهمية. ومن الناحية النظرية، يتقاسم اللاعبون الإقليميون العديد من المصالح المشتركة ولا يريدون بالتالي أن يروا "طالبان" وقد خرجت في النهاية منتصرة. فباكستان تريد أن تستعمل مقاتلي "طالبان" وتسيطر عليهم، لكنها قلقة من انتقال عدواهم إليها هي نفسها. ومن الناحية الجوهرية، يمكن القول إن الحرب في أفغانستان قد انتهت من وجهة النظر الأميركية بعد أن تقلصت أهميتها على سلم الأولويات الأميركية وفي الذهن الأميركي ذاته، والذي باتت تسيطر عليه في الوقت الراهن موضوعات أخرى أكثر أهمية مثل الاقتصاد العالمي المتداعي، والدين المتزايد، والانتخابات القادمة... فكلها موضوعات وشيكة تطل برأسها في الأفق. وللتيقن من أن نهاية الحرب لن تتحول إلى كارثة كاملة، فإن أميركا بحاجة إلى خطة متقنة ومفكر فيها جيداً، لتقليص قواتها بالتعاون مع حلفائها وبالتعاون مع الأفغان. وعلى الرغم من الأهمية البالغة لذلك، فإن إدارة أوباما أخفقت حتى الآن في الإفصاح عن استراتيجية انسحاب مقنعة.