أقتبس عنوان المقال من تعليق مهم لأحد قرائي الكرام، نشره تعقيباً على مقالي الماضي "الثورة في مواجهة الثقافة السلطوية" على شبكة الإنترنت، وهذا القارئ هو المستشار القانوني "خلف عبدالرحمن". وقد قام بتحليل للظواهر السلبية السياسية والاجتماعية والثقافية التي سادت المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير، ليصل إلى نتيجة مهمة تحتاج إلى مناقشة نقدية، لأنه لا يقف عند مسؤولية النخب السياسية والثقافية في سيادة الثقافة السلطوية، بل إنه يتجاوز ذلك للحديث عن مسؤولية الشعب نفسه فيما يتعلق بظواهر الفوضى السياسية التي تلت قيام الثورة، والانفلات الاجتماعي الذي ثار على كل القواعد والمعايير المرعية، قانونية كانت أو اجتماعية. ووصل المعلق إلى نتيجة حاسمة حين قرر "أستطيع القول إن الشعوب العربية خارج الزمن الديمقراطي لأنها متسلطة على نفسها بطبيعتها السلطوية، وبينها وبين الديمقراطية بحور ووديان ومحيطات..". وهذا الحكم القاطع يجعلنا نثير تساؤلاً مهمّاً هو هل الثورة دخول إلى الزمن الديمقراطي أم خروج منه؟ أولاً لابد أن أعترف بأن عبارة "الزمن الديمقراطي" في حد ذاتها تعبير موفق عن روح العصر. وذلك لأن التغيرات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الشمولية كنظام سياسي إلى الأبد وتهاوي عديد من الأنظمة السلطوية بفعل الثورة كما حدث في "تونس" و"مصر" في ثورة يناير، قد فتح الباب -على مستوى العالم- أمام الديمقراطية لكي تكون هي النظام السياسي الأمثل الذي ينبغي على كافة الشعوب في عصرنا تطبيقه. ويمكن القول إن الجدل النظري حول أفضلية الديمقراطية كنظام سياسي إذا ما قورن بالشمولية والسلطوية قد حسمته ليس قوة الحجة لدى أنصار الديمقراطية ولكن التاريخ! وذلك لأن الانهيار المدوي للاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، كان أبلغ دليل على تهافت الشمولية وانهيار السلطوية على السواء. ويمكن القول إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان رمزاً وعلامة على دخول العالم كله إلى الزمن الديمقراطي، لأن شعوباً عديدة في مختلف القارات انتفضت ضد النظم السياسية الشمولية والسلطوية وأسقطتها من خلال انتفاضات ثورية، كما حدث في مصر في 25 يناير، حين هب الشعب المصري واستطاع بضربة واحدة إسقاط النظام السلطوي الذي كان سائداً بقيادة الرئيس السابق مبارك. ولكن -عودة للسؤال المهم الذي أثرناه في صدر المقال "هل الثورة بذاتها -أي ثورة وليس بالضرورة ثورة 25 يناير- تعد دخولاً إلى الزمن الديمقراطي أم خروجاً منه؟ قد يبدو أن هناك تناقضاً في صيغة السؤال، وذلك لأنه يمكن التساؤل كيف يمكن للثورة التي قامت ضد السلطوية وسعت إلى تطبيق الديمقراطية، مما يجعلها تدخل إلى صميم الزمن الديمقراطي أن تكون خروجاً عن هذا الزمن؟ إن منطق السؤال يكمن في تحليل الظواهر التي عادة ما تسود في الأيام التالية على وقوع الثورة. والسؤال هنا: هل استطاع من قادوا الثورة أن يوحدوا صفوف النخب السياسية على رغم تعدد مرجعياتها الإيديولوجية، وينظموا صفوف الشعب وذلك للتخلص من كل آثار السلطوية وتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي في إطار تأسيس دولة مدنية حديثة تقوم على أساس سيادة القانون، أم أن الثورة فشلت في تحقيق ذلك نتيجة تشرذم النخب السياسية، وأخطر من ذلك من جراء الانفلات الشعبي والانقلاب على كل المعايير والأعراف السائدة باسم الحرية واستناداً إلى شرعية الثورة؟ لو حاولنا أن نركز على الحالة المصرية على وجه الخصوص، لوجدنا إيجابيات متعددة كانت نتيجة مباشرة لثورة 25 يناير. لقد ترتب على الثورة انفجار سياسي واجتماعي على السواء. أما الانفجار السياسي فقد تمثل في عبور الجماهير المصرية لحاجز الخوف من الممارسات السلطوية بكل ما كانت تتضمنه من قمع مباشر، والتعبير الجريء عن مطالبها السياسية في الديمقراطية الكاملة، التي تتضمن حرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم. ولعل المظاهرات المتعددة والمليونيات في ميدان التحرير وغيره من الميادين، تعبير عن الرغبة العارمة للجماهير للعمل بالسياسة، وذلك من خلال الإصرار على المشاركة في عملية اتخاذ القرار وعدم تركها لتكون حكراً على رئيس الجمهورية أيّاً كان شخصه، أو لمن يحكمون مهما كانت صفاتهم، وليس ذلك فقط ولكن الإصرار على مراقبة تنفيذ القرار. وهذا هو سر تعدد المظاهرات، التي كان يهدف بعضها إلى تصحيح بعض القرارات التي اتخذها المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو مجلس الوزراء، أو الضغط لإلغائها كلية، لأنها لا تلبي المطالب الديمقراطية كما تراها الحشود الجماهيرية. وأكثر من ذلك أصبحت المطالبة بالحقوق الاقتصادية المهدورة في عصر السلطوية طقساً يوميّاً لعديد من الفئات المظلومة، على رغم ما يشوب بعضها من تجاوزات، سواء في المطالب ذاتها، أو في طريقة التعبير عنها أو حتى توقيتها. ومما يكشف عن إيجابيات ثورة 25 يناير أن صفة "الناشط السياسي" حلت محل صفة المثقف التقليدي، لأن الناشط السياسي -بحسب التعريف- يعمل أساساً في صفوف الجماهير يحركها ويحشدها ويشاركها الحركة والفاعلية في الشارع السياسي. ولكن، إلى جانب الانفجار السياسي الذي أحدثته الثورة، حدث انفجار اجتماعي شديد، أدى إلى انفلات سلوكي واسع المدى شاركت فيه جماهير متعددة. وبعض هذه الجماهير من الخارجين على القانون ممن يطلق عليهم "البلطجية"، الذين عاثوا في الأرض فساداً نتيجة الانفلات الأمني الواسع المدى، وإن كانت هناك جماهير أخرى عادية استغلت جو الحرية الذي خلقته ثورة 25 يناير، لكي تخالف عديداً من القواعد القانونية والمعايير السلوكية المستقرة. وقد تابعنا حوادث اقتحام أقسام الشرطة، أو محاولة الاعتداء على الهيئات القضائية داخل المحاكم احتجاجاً على حكم صدر، بالإضافة إلى عديد من الظواهر السلبية مثل المظاهرات التي تقطع الطرق، أو التي تعتدي على المنشآت العامة حكومية كانت أو خاصة. وقد أدى ذلك إلى إحباط فئات عديدة من الشعب أحست بأن الفوضى سادت البلاد بعد الثورة، بل إن بعض هذه الفئات تجاوزت حين نسبت الفوضى إلى وقوع الثورة ذاته! ويمكن أن نضيف إلى ذلك كله السلوك المعيب لأفراد من النخبة السياسية، الذي يقوم على أساس تخوين الآخرين، وبعضهم قد نصب من نفسه قاضيّاً يصدر شهادات الزور حول ثورية بعض الأشخاص أو "خيانة" بعضهم الآخر، أو يمارس بدون أدنى حق تصنيف المثقفين إلى موالين للنظام القديم أو من أبطال الثورة المزعومين! ومعنى ذلك أن الثورة كما قد تكون دخولاً إيجابيّاً إلى الزمن الديمقراطي قد تصبح عملية خروج منه، إذا ما سادت الغوغائية والانتهازية، وأصبح الانفلات الاجتماعي والاعتداء الصارخ على القواعد القانونية والمعايير المستقرة هو سيد الموقف. قد نلتمس العذر للجماهير التي تم تغييب وعيها في زمن السلطوية، ولكن كيف يمكن أن نبرئ أعضاء النخب السياسية إذا مارسوا سلوكاً سياسيّاً واجتماعيّاً سلبيّاً سيفضي مما لاشك فيه إلى خروج البلاد من الزمن الديمقراطي والعودة مرة أخرى إلى عصر السلطوية البغيضة؟