حملة التوعية التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعيّة، مؤخراً، بالتعاون مع "صندوق الزواج" و"جمعية الاتحاد النسائي" في الشارقة، لخفض تكاليف الزواج تعدّ مبادرة مجتمعية مهمة، تتعاطى مع واحدة من المشكلات المجتمعية الكبرى، ألا وهي مشكلة الارتفاع المبالغ في تكاليف الزواج، والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال السنوات القليلة الماضية، وكانت سبباً في تفاقم مشكلات اجتماعيّة خطرة يعانيها المجتمع. فهذه الحملة التي ترفع شعار "شيك أو شريك العمر"، هي الأولى من نوعها على مستوى الدولة، وتستهدف من خلال رسالتها التوعويّة حثّ الأسر الإماراتية على ترشيد نفقات الزواج، وعدم المبالغة فيها، حتى لا تثقل كاهل المقبلين على الزواج من شبابنا المواطن. لقد توصلت العديد من الدراسات الاجتماعيّة التي أجريت خلال الفترة الأخيرة، إلى أن مشكلة ارتفاع تكاليف الزواج، وما يرتبط بها من مغالاة كبيرة في المهور وتجهيزات الضّيافة وحفلات الزفاف، باتت تقف وراء العديد من المشكلات الاجتماعية التي يعانيها المجتمع الإماراتي، كالطلاق والعنوسة والزواج من أجنبيات، إذ إن الترابط يبدو واضحاً بين هذه المشكلات مجتمعة، فارتفاع تكاليف الزواج يجبر شبابنا المقبل على الزواج على أخذ قروض كبيرة من البنوك للوفاء بمتطلّبات الزواج، ومع أول تعثر في سداد هذه القروض تتوتّر العلاقة بين الزوجين، وتكثر الخلافات بينهما، وتكون نتيجتها الطلاق، الذي تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن معدلاته في تزايد مستمر، إذ تقدّر بـ 40 في المئة، وهذا أمر ينطوي على مردودات سلبية عديدة، فعلاوة على ما يترتب عليه من تكلفة اجتماعية باهظة، نتيجة إمكانيّة انحراف الأبناء، فإنه يكلف ميزانية الدولة مبالغ طائلة سنوياً عبارة عن نفقة ورعاية ومستلزمات أخرى لمعالجة التفكّك الأسري. أما في ما يتعلّق بمشكلَتي العنوسة والزواج من أجنبيات، فإن الصلة تبدو وثيقة بينهما وبين ارتفاع تكاليف الزواج، إذ إن عجز بعض شبابنا عن توفير المبالغ المالية الكبيرة للزواج قد يدفعه إلى البحث عن الزواج من أجنبيات، وبالتبعيّة تفاقم مشكلة العنوسة في المجتمع الإماراتي، فهذا البديل يعتبر أقل تكلفة بكثير من الزواج من مواطنات، وهذا يفسّر تزايد لجوء كثير من شبابنا إليه، إذ تشير الإحصاءات الرسميّة إلى ارتفاع نسبة زواج المواطنين من غير المواطنات بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربع الماضية، لكن التكلفة الاجتماعية المترتّبة على هذا البديل تبدو هي الأخرى كبيرة، لأنها تتصل بهويّة الجيل الجديد من الأبناء نتاج هذا الزواج، خاصة إذا كانت أمهاتهم ينتمين إلى جنسيات تختلف في جوانب كثيرة عن خصوصية المجتمع الإماراتي، في اللغة والدّين والعادات والتقاليد والثقافة، لأن نتيجة ذلك ستكون ابتعاد أبنائهن عن لغتهم العربيّة، واكتسابهم عادات دخيلة على المجتمع الإماراتي. لقد وضعت "الوثيقة الوطنيّة لدولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2021" هدف بناء أسرة متماسكة في مقدمة أهدافها، وارتأت أن تحقيق ذلك الهدف لن يتمّ إلا من خلال تشجيع الزواج بين الإماراتيين، وتقليص نسب الطلاق المرتفعة، وهذا الهدف من الممكن تحقيقه إذا تمت معالجة المشكلة الرئيسيّة المتمثلة في ارتفاع تكاليف الزواج. لهذا كلّه، فإن الحملة التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية تحت شعار "شيك أو شريك العمر" بهدف خفض تكاليف الزواج ينبغي أن تكون مقدّمة لحملات توعوية أخرى، تشارك فيها مختلف الجهات والهيئات المعنية، من أجل بناء ثقافة مجتمعيّة تعلي من دور الأسرة ومكانتها في المجتمع. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.