البعض، وجد في تدني نسبة المشاركة من أعضاء الهيئات الانتخابية في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، والبالغ عددهم 129 ألف عضو، إخفاقاً للتوقعات والتكهنات التي كانت مبنية عليها من المراقبين. وزاد بعضهم بأن العامل القبلي تسبب في حسم نتائج. ورأوا في غياب المرأة أن التجربة لا تختلف عن غيرها إقليمياً. المراقبون استسهلوا الأمر وأرجعوا السبب في كل ذلك إلى ضعف الاستعدادات الأولية لتنظيم الانتخابات، مع أن بعضهم أشاد في البداية بحسن التنظيم. وقد عزز من موقف هذا الرأي ما أظهرته قلة معرفة مواطني الإمارات بالعملية الانتخابية، سواء كانوا مرشحين أو ناخبين. واستشهد البعض في هذا التقييم بما سرده البعض من أخطاء ارتكبها الناخبون أثناء عملية تصويتهم. وقارنوا بين انتخابات عام 2006 والانتخابات الحالية وخرجوا بانطباعات بأن الانتخابات السابقة كانت أكثر حماساً. وتراوحت تفسيراتهم لضعف المشاركة في الانتخابات الحالية بين ضعف مردود المجلس السابق مقارنة بسقف الوعود التي قطعها المرشحون السابقون أمام الناخبين وبين عدم تقدير البعض من أعضاء الهيئة الانتخابية لحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم. ويرجع ذلك إلى قلة الوعي السياسي باعتبار أن أكبر نسبة من أعضاء الهيئة الانتخابية كانت من جيل الشباب، وكذلك المرأة التي مثلت نسبتها في إمارة أبوظبي 55 في المئة. واللافت للانتباه أن الأمر وصل بالبعض منهم إلى مطالبة السلطات الإماراتية بمساءلة أعضاء الهيئات الانتخابية الذين لم يشاركوا في التصويت. نسبياً، من الصحيح أن ما أظهرته المشاركة التصويتية في انتخابات المجلس الوطني لا تتماشى مع واقع المرحلة التنموية والانتخابية التي وصلت إليها دولتنا، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هناك إخفاقاً مطلقاً للعملية الانتخابية أو أنها فرصة لتعميم النتيجة على التجربة بأكملها وكأنه لا وجود للإيجابيات فيها وفقاً لهذه الرؤية المتسرعة. هناك أشياء أخرى، وهي كثيرة، رائعة صاحبت الانتخابات سواء في الحملات الانتخابية أو أثنائها، وبشهادة المراقبين من الداخل والخارج. المنطق يؤكد أنه حتى تدني نسبة المشاركين التي لم تتعدَّ 28 في المئة فإنها تندرج ضمن ملاحظات ينبغي أن تسجل من أجل تطوير فكرة المشاركة السياسية ودراسة الأسباب المؤدية لذلك في المرحلة المقبلة، لاسيما أن هناك اتفاقاً عاماً في المجتمع على أهمية إنجاح التجربة. ينبغي علينا، ونحن نراقب التجربة، أن نفسح المجال للملاحظات التي يمكن أن تفرزها العملية الانتخابية لنعرف عنها أكثر؛ لأننا نستعد لإجراء انتخابات كاملة، وبالتالي فهذه الملاحظات ستساعدنا على تصحيحها. وعلى الذين نظروا إلى التجربة باعتبارها كاملة عدم الحكم الكامل عليها بالإخفاق، وإن توفرت أسباب ذلك. صحيح أن نسبة مشاركة الناخبين هي صاحبة القول الفصل في أي انتخابات في العالم، وهي مؤشر على مدى نجاح أو إخفاق الانتخابات، لكن هذا ليس مبرراً لتغيُّب أعضاء الهيئة الانتخابية الذين كانت عليهم مسؤولية تاريخية، ليس في اختيار أعضاء المجلس الوطني الجديد فقط، وإنما أيضاً المسؤولية الأهم قبل ذلك وهي المشاركة الإيجابية والحضور الفاعل بالاقتراع من أجل تعزيز فرص نجاح التجربة الانتخابية في الإمارات وتثبيت أهدافها تمهيداً للمرحلة التالية، حيث الانتخابات الكاملة. ولعله مما فات أيضاً على مراقبي انتخاباتنا أنها تمثل "تجربة" سياسية جديدة، ومن الطبيعي أن تظهر بعض الملاحظات، وهذا شيء متوقع في كل تجربة جديدة، بما في ذلك ارتفاع أو انخفاض حماس الناخبين. وبما أن الإمارات عودتنا على عدم اتباع سياسة حرق المراحل أو القفز عليها، إذ تريد دائماً أن تسير بها خطوة خطوة لأنها تسعى إلى أن تخلق لنفسها تجربتها الانتخابية الخاصة التي تتناسب وطبيعة مجتمعها، كما في المجالات الأخرى، فلا مانع من تسجيل الملاحظات والسلبيات خلال فترة التجربة ما دمنا نريد فهم المشاكل والعقبات التي يمكن أن نواجهها خلال الانتخابات الكاملة، بل إن تدارك المشاكل خلال مرحلة التجربة الأولى أو الثانية هو أفضل من أن نتعرض لها خلال مرحلة الانتخابات الكاملة. لدينا الكثير من الأمثلة العربية التي قفزت على المراحل الانتخابية، فكانت العواقب غير جيدة! ما نتمناه ألا يقارن بعض المحللين ما يجري في أرض الإمارات بما عند الآخرين، باعتبار أن ما يصلح للآخرين ليس شرطاً أن يكون صالحاً للإمارات. وهنا لا بد أن يعرف من يحاولون تقييم التجربة الإماراتية "الوليدة" أن التجارب الاجتماعية، ومنها الانتخابات، تختلف عن التجارب الأخرى التي يمكن اقتباسها أو استيرادها من الآخرين وتطبيقها في أي بيئة، إذ عادة ما تكون التجارب الاجتماعية عبارة عن تاريخ طويل من المحاولات والممارسات اليومية يتمرن عليها أبناء البلد الواحد لسنوات. والإمارات تريد أن تعيش التجربة بكل تفاصيلها ومعارفها. وكما نقيِّم التجربة الإماراتية من خلال نجاح الآخرين الذين سبقونا في هذا المجال، فإنه لابد أن نعرف أنهم مروا بإخفاقات وعقبات قبل ذلك مثلما نمر نحن الآن، ولكنهم تدارسوها، كما نفعل نحن الآن عندما ندرس أسباب الإخفاق من أجل إنجاح التجربة واجتياز تلك العقبات. طبيعي ومنطقي أن أي عمل جديد يحتاج ممارسة قد تصيب أو تخطئ، وفي الأمرين نقاط إيجابية لقراءة خط سير التجربة، لذا علينا أن ننتظر التجربة وأن لا نتسرع في الحكم عليها. وما دمنا نخوض تجربة جديدة فلابد أن نتفق على أنه سيكون لدينا العديد من الملاحظات في بداية التنفيذ، وهذا ليس عيباً، بل هو مهم وضروري للوقوف على التجربة بالشكل الذي يقلل من الأخطاء في المراحل اللاحقة. والذي يظهر الآن يتم تداركه في المرات القادمة، وهذه فائدة التجربة، وحتى بعد انتهاء التجربة ستكون هناك ملاحظات لحين اكتمال الصورة. المهم أن نسجل أن الإمارات دائماً تسعى لأن تكون الأفضل والأحسن وهذا لا يتأتى إلا بتسجيل الملاحظات التي تفرزها التجربة حتى يمكننا أن نتعلم ونمشي ونثبت الأقدام ونتفوق كالعادة، ولكن بتأنٍّ ووفق منهجنا وخصوصيتنا.