ألقى رئيس الوزراء البريطاني، كاميرون، الذي يترأس حكومة ائتلاف في لندن منذ مايو 2010 تضم حزبي المحافظين والديمقراطيين الأحرار، خطابه الأول من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي، وهو خطاب حظي باستقبال جيد، وإن كان لا يزال هناك قدر من النقد الموجه للسياسة الخارجية لبريطانيا من جانب بعض الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، حيث ينظر لتلك السياسة على أنها متأثرة تأثراً كبيراً بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، كما تتميز بالضعف الشديد تجاه معالجة المحنة الحقيقية التي يمر بها الشعب الفلسطيني. وفي خطابه، أمام الجمعية العامة، حثّ كاميرون المنظمة الأممية على اتخاذ نهج أكثر صلابة، يشمل ربما استخدام القوة العسكرية ضد الأنظمة القمعية. وكان كاميرون يريد بذلك فرض عقوبات أكثر صرامة وقسوة ضد سوريا، حيث قتل حوالي ثلاثة آلاف شخص على أيدي قوات الأمن، وحيث ما زالت المظاهرات الحاشدة تندلع في معظم أرجاء البلاد. وانتقد كاميورن في ذلك الخطاب أيضاً الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لاحتجازه خصومه السياسيين، والتنكيل بهم. وعندما دخل كاميرون 10 دواننج ستريت كان يفتقر للخبرة في مجال السياسة الخارجية والدفاع، لذلك اتجه في البداية ناحية أميركيا، وتجنب الاتحاد الأوروبي الذي كان يرى أن هناك العديد من الجوانب التي تستحق الانتقاد فيه. لذلك لم يقل كاميرون الكثير عن السياسة الخارجية، كما هي عادته دائماً، في خطابه أمام الجمعية العامة، واعتمد -وكان هذا إجراءً معقولاً من جانبه- على وزير خارجيته القدير ويليام هيج كي يضطلع بهذا الدور المهم. وفي الحياة السياسية الواقعية يجد الرؤساء ورؤساء الوزراء أنفسهم مدفوعين في فترة مبكرة من وجودهم في مناصبهم، للانغماس بشدة في القضايا الخارجية، رغم أن الجمهور يتوقع منهم في هذه الفترات أن يركزوا على الأجندة الداخلية، وهو ما لا يحدث في الواقع حيث يجد هؤلاء أنفسهم مطالبين بحضور المؤتمر تلو المؤتمر في الخارج، كما يجدون أنفسهم منجرفين بتيار الأحداث العالمية العارم الذي يغرقهم في أمواجه. فمثلاً اعتقد البعض -في وقته- أن بلير الذي كان يتمتع بنفوذ كبير بفضل ما حققه من نجاح باهر في الانتخابات العامة، سوف يمنح اهتمامه الكامل لإصلاح الخدمات العامة المتدهورة. لكن ذلك لم يحدث حيث أجبرته التدخلات الضرورية في حينها في كل من تيمور الشرقية وكوسوفو وسيراليون، واضطراره لدعم الأميركيين في أفغانستان، على صرف النظر عن إجراء تلك الإصلاحات، وقادته بعد ذلك إلى حرب العراق بكل ما فيها من فوضى ووحشية. وفي إطار انغماس كاميرون المبكر في شؤون السياسة الخارجية، سافر رئيس الوزراء البريطاني إلى طرابلس وبنغازي حيث لقي هناك استقبالاً حماسياً هو والرئيس الفرنسي ساركوزي، بعد أن لعب القائدان دوراً رئيسياً في تأمين الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 في السابع عشر من مارس الماضي. وساهمت الطائرات الفرنسية في حماية بنغازي وحالت بينها وبين التحول إلى ساحات قتل على أيدي قوات القذافي التي كانت تتقدم نحوها، كما لعبت السفن والطائرات البريطانية دوراً مهما في تنفيذ عمليات "الناتو" ضد القذافي للحيلولة بينه وبين شن هجمات على أبناء شعبه الليبيين. كانت هذه هي الظروف التي قال كاميرون على خلفيتها أمام المنظمة الأممية "إن الأمم المتحدة كان عليها أن تظهر أننا لسنا متحدين في الإدانة فحسب، وإنما متحدون في العمل أيضاً، وأننا قادرون كذلك على العمل بوسائل تتفق مع المبادئ المؤسِسة للأمم المتحدة". واعترف مستشارو كاميرون بأن إلقاء كاميرون لخطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان مسألة في غاية الأهمية بالنسبة له، لكنهم أكدوا في ذات الوقت أنه لم يفقد توازنه -كما يقول- بسبب النشوة التي تخامره بعد الانتصار المسجل في ليبيا، وأنه ليس بنيته الإعلان عن عقيدة جديدة براقة كتلك التي أعلنها بلير عقب الغزو العراقي وعرفت باسم "عقيدة بلير" وكانت تقوم على جواز استخدام القوة ضد الأنظمة القمعية في ظروف معينة. وفي الوقت الذي لا تزال فيه ليبيا في وضع حرج، حيث لا يزال القذافي مختبئاً في ركن معين منها مدعوماً بأعداد تتناقص باستمرار من أنصاره، فإن بريطانيا بدأت بالفعل في تقليص قواتها المسلحة الموجودة في المنطقة، كما قامت بتكليف "دومينيك اسكويث"، سفيرها السابق في القاهرة، بوظيفة مؤقتة في ليبيا ومعه فريق صغير لكنه متنام من الدبلوماسيين (يلوح لي أن هذا يمثل تحويلاً ملائماً للموارد). إن التركيز حالياً في "وايتهول" (مقر وزارة الدفاع البريطانية) ينصب بشكل رئيس على ما يدور في دمشق. ورغم أن بريطانيا وشركاءها في الاتحاد الأوروبي يرون أن فرض عقوبات أكثر صرامة على النظام السوري أمر في غاية الأهمية، فإنه من المهم أيضاً إقناع روسيا والصين بالسير على نفس النهج. لقد حاولت "وايتهول" التعامل على نحو وثيق مع الأسد الذي كان يرتبط بروابط قوية مع بريطانيا، لكن تلك السياسة فشلت بالتأكيد، كما بدت المحاولات المستمرة من جانب دمشق لتوجيه اللوم إلى العملاء الأجانب والقوات الخارجية واعتبارهما المسؤولين عما تواجهه من متاعب، سخيفة للغاية. ولا يساورني الشك في أن الأسد يقود بلاده نحو حرب أهلية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من أهوال على أبناء شعبه. سير سيريل تاونسند كاتب بريطاني من حزب المحافظين