كتبنا مراراً في هذه المساحة عن الحراك الثوري في ظل تطورات الحراك العربي غير المسبوقة والمتسارعة فيما يعرف بالربيع العربي، الذي لا تزال نهاياته غير واضحة المعالم ولم تصل إلى خواتيمها بعد، لنتعرف على مسار حصاد هذا الحراك الذي دخل شهره التاسع. وتبدو دول مجلس التعاون الخليجي أكثر قدرة وأكثر إدراكاً وحصانة في التعامل مع هذا الحراك العربي، والانتخابات العديدة في الإمارات العربية المتحدة، والانتخابات التكميلية في البحرين، والسماح بمشاركة المرأة ناخبة ومرشحة في الانتخابات البلدية القادمة في السعودية، وانتخابات مجلس الشورى العماني الشهر الجاري، كلها مؤشرات على ذلك الحراك المهم. وقد ناقشت وعلقت على الحراك الشعبي ولم أصفه بالثورات وأوضحت ذلك في العديد من المقالات والمحاضرات، وذلك لأنه إنما غيَّر الوجوه وأبقى على الأنظمة، على الأقل حتى اليوم. وقد أكد مؤتمر عُقد الأسبوع الماضي في الجزائر ما ذهبنا إليه، مستخلصاً أن ما تشهده بعض الدول العربية ليس ثورات، بل هو "انتفاضات شعبية". ذلك أن الثورات تُسقط النظام الهرمي من جذوره ومن رأسه إلى قاعدته بكل رموزه وشخصياته ومؤسساته. وتأتي الثورة في مرحلتها الثانية التي قادت لإسقاط النظام السابق لتؤسس كياناً جديداً مختلفاً كليّاً عن النظام المتهاوي. وعلى سبيل المثال فإن كلاً من ثورة روسيا البلشفية، والثورة التي اجتاحت أوروبا الشرقية عام 1989 بعد سقوط حائط برلين وتهاوي معاقل الشيوعية في أوروبا الشرقية وروسيا، والثورة الإسلامية في إيران، كلها تعد نماذج للثورات ببعدها الكلاسيكي في إسقاط الأنظمة واقتلاعها من جذورها وإسقاط هيكل النظام من الأساس. وإحداث حراك للتحول إلى نظام جديد كليّاً بمؤسساته ورموزه وإيديولوجيته. والتغييرات غير المسبوقة في الجمهوريات الخمس التي تشهد حراكاً ثوريّاً تثبت بطرق متفاوتة أن التغيير ممكن من الداخل، وأن هناك طريقاً ثالثاً للتغيير ليس عن طريق إسقاط الأنظمة بالتدخل الخارجي، وإن كانت حالة ليبيا هي الاستثناء وليست القاعدة في هذا السياق. وإذا نجح الحراك الثوري العربي ووصل إلى خواتيمه المأمولة، فسيكون قد نجح في إحداث التغيير من الداخل وبطرق سلمية، وليس عن طريق العنف أو إيديولوجية وتطرف "القاعدة". وبتراجع قدرات "القاعدة" على تحقيق أي انتصار معنوي، ومع اغتيال بن لادن في مايو الماضي وقياديين آخرين في التنظيم بباكستان وأفغانستان وغيرهما كان آخرهم أنور العولقي الذي اغتيل في اليمن قبل أيام، يكون التنظيم قد تلقى ضربات موجعة ومتلاحقة وتم تشتيته وتجفيف تأثيره كقوة "إلهام"، وكذلك مصادر دخله مع ملاحقة وتعقب واقتناص قيادييه بطائرات بدون طيار. وينبغي أن نذكر هنا بما قاله وزير الدفاع الأميركي الجديد "ليون بانيتا" في يوليو الماضي، حين أكد أن الأولوية الآن بالنسبة للولايات المتحدة في المواجهة مع "القاعدة" هي القضاء على الزعيم الجديد للتنظيم أيمن الظواهري وقائد "تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية" اليمني- الأميركي الجنسية أنور العولقي المسؤول عن تجنيد كوادر متطرفة لمهاجمة أميركا مثل عمر عبدالمطلب، وكذلك التأثير على الضابط الأميركي نضال حسن الذي قتل 13 جنديّاً أميركيّاً في قاعدة عسكرية في تكساس قبل عامين. وعلى العموم هناك اليوم تراجع واضح لـ"القاعدة" والمنظمات المتطرفة المتأثرة بها. وما من شك في أن الربيع العربي نجح في إلحاق المزيد من الإفلاس بفكر وإيديولوجية "القاعدة". فلم يبق للتغيير في المنطقة سوى الحراك الثوري الذي ظل في معظمه سلميّاً وملهماً ومتنقلًا من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا. وإن كانت مقاومة الأنظمة في ليبيا وسوريا واليمن تدفع للحل الأمني في مواجهة سلمية الحراك والانتفاضات الشعبية، إلا أن الدراسات تثبت أن التغييرات التي تأتي على إثر صراعات عسكرية من قبل الثوار كالحالة الليبية عادة ما تنتج نظاماً يميل للعنف ولا يستبعد أن يكون نظاماً ديكتاتوريّاً. ولذلك فإن هناك مخاوف حقيقية على خواتيم مشهد التغيير الليبي. وقد بدا التعثر واضحاً مع الحل العسكري ودور "الناتو" والانشقاقات داخل جبهة الثوار واغتيال قائدهم الميداني، وتعثر التشكيل الحكومي، وعدم حسم المواجهات العسكرية في سرت وبني وليد. وكذلك ينبغي أن نلاحظ حقيقة أخرى هي أن الخطوات نحو المشاركة السياسية والانتخابات وتأصيل ثقافة الديمقراطية في مرحلة النظام الجديد بحاجة إلى فهم ووقت، لأنها عملية تراكمية بطيئة بحاجة إلى كثير من الجهد والرعاية والتطوير. ورأينا في الدول التي أنهت عقوداً من الديكتاتورية والحكم الفردي أن الأولوية قد لا تكون لصناديق الاقتراع ولكن للأمن والاستقرار، وللتنشئة السياسية وترسيخ ثقافة ومفاهيم الحريات والتعبير عن الرأي ضمن مفاهيم دستور يضمن عمل المؤسسات الدستورية، وبوجود آلية للمحاسبة، والقضاء الحر المستقل، وصولاً إلى وجود معارضة بناءة تملك فرصاً واضحة عن طريق تبادل السلطة بشكل دوري وسلمي للوصول إلى سدة الحكم. غير أن إعلان مواعيد للانتخابات في تونس ومصر في ظل الاستقطاب الحالي، والمخاوف من اختطاف الثورات واستمرار المظاهرات، وفي حالة مصر مظاهرات مليونية مستمرة بعد تسعة أشهر من الحراك الثوري وسط مخاوف من اختطاف الثورة هذا زيادة على إطلاق تسميات ضد المجلس العسكري مثل "جمعة استعادة الثورة"، كلها تطورات غير مطمئنة، في الحقيقة. وقد لا تؤشر إلى أن التحول سيكون سلساً وسلميّاً ومباشراً. بل إن هناك انتقادات للمؤسسات التي تدير شؤون البلاد في مصر وتونس. وهناك مواجهة دموية محتدمة لم تحقق حتى المرحلة الأولى من مراحل التغيير الثوري في إسقاط الأنظمة في سوريا واليمن. وكذلك في ليبيا ببقاء كتائب القذافي تقاتل وعدم حسم وضع القذافي نفسه والتباين في صفوف المعارضة. وفي المجمل، لاشك أن العرب يعيشون حراكاً غير مسبوق وتحولات هي الأكبر والأعمق والأهم منذ عقود من الزمن، وأن مستقبل هذا الحراك سيرسم واقعاً ونظاماً عربيّاً جديداً، ويؤسس لمرحلة جديدة تؤكد خطأ مقولتين: إن الاستثناء العربي دائم ولا يمكن تغييره، وقد ثبت فشل ذلك. وإن التغيير في العالم العربي لابد أن يأتي من أطراف خارجية أو عن طريق العنف والجماعات المتطرفة، فإذا بالتغيير يأتي عن طريق ثالث، ومن الداخل على وقع الحراك والانتفاضات الشعبية، التي يطلقون عليها تسمية ثورات!