كان الأدب في كل ثقافات ولغات دول المشرق، من تركيا والعالم العربي وإيران والهند، إلى الصين واليابان! من المجالات التي تصارعت فيها الأفكار والنماذج الغربية الواردة من شعر ونثر وقصة ومسرح ونظريات نقد وقيم جمالية، مع ما لدى هذه الأمم الآسيوية والأفريقية من آداب موروثة وتراث تليد. ولقد تتبعنا في مقالات سابقة تطور الأدب العثماني عبر القرون، وتنامي مظاهر الحداثة في الثقافة التركية في القرن التاسع عشر والعشرين، ورأينا كيف أن العديد من ملامح هذه المسيرة، يجد ما يماثله في آداب وثقافة وفنون العالم العربي، وبقية الثقافات الآسيوية المذكورة. فمع أواخر القرن التاسع عشر، آمنت النخبة الفكرية في تركيا، في اسطنبول والمنافي الأوروبية، بحتمية التغيير السياسي والثقافي للدولة. ولم يعد الميراث الأدبي العثماني قادراً على منافسة القادم الجديد. قادت ثلاثة تيارات الأدب التركي الحديث، في الفترة ما بين 1896 - 1923، نحو المعاصرة والقرن العشرين، وأرست أسس آداب تركيا الحالية. هذه التيارات هي "حركة الأدبيات الجديدة"، "حركة الفجر الآتي"، و"حركة الأدب القومي". وقد بدأت الأولى، "حركة الأدبيات الجديدة"، مع تأسيس مجلة "ثروة الفنون"، التي تابعت قضايا العلم والثقافة والتقدم في ذلك العصر، تحت إشراف الشاعر "توفيق فكرت"، بهدف إيجاد "أدب تركي رفيع" وفق المناهج الغربية. وكان شعر أتباع هذه المدرسة مثل "توفيق فكرت" و"جناب شهاب الدين"، متأثراً أشد التأثر بالأدب الفرنسي وبخاصة "التيار البرناسي" الذي كان يؤكد على الشكل الشعري أكثر من العاطفة، ومتأثراً كذلك بمجموعة الشعراء الفرنسيين الذين أطلق عليهم لقب "شعراء التفسخ"، أما كتاب الحركة مثل "خالد ضياء" و"محمد رؤوف"، فقد وقعوا تحت تأثير "المدرسة الواقعية"، وكتب الأديب "رؤوف" أول رواية نفسية في الأدب التركي عام 1901 بعنوان "أيلول". وبقيت المدرسة عموماً تحت تأثير اللغة التركية العثمانية. وفي العام نفسه، أثر نشر المجلة مقالاً عن الفرنسية بعنوان "الأدب والقانون"، عمدت حكومة السلطان عبدالحميد الثاني الشديدة الحساسية للأفكار الجديدة إلى إيقافها عدة أشهر، وضعت في الحقيقة نهاية لهذا التيار. ويُعد أحد أدباء هذا التيار وهو "خالد ضياء عشاق ليجيل" توفي1945، أبرز نموذج للروائيين الأتراك في العصر الحديث، في الشكل الأوروبي. وهو ابن تاجر سجاد من بلدة "عشاق"، وفر لأبنه تعليماً راسخاً بالفرنسية حيث درس بالمدرسة الفرنسية بأزمير، وتأثر بالروائيين الفرنسيين الكبار وبخاصة بلزاك وستاندال وفلوبير وزولا. وقد ساهم تعليمه وسفره إلى فرنسا في تعميق ثقافته الأوروبية، التي انعكست في رواياته المبكرة مثل "مذكرات رجل ميت" 1889. ولما كان كاتباً غزير الإنتاج وناجحاً، فقد عمل على تحديث لغته في الطبعات الجديدة لأعماله في العصر الجمهوري". بدأ التيار الثاني "حركة الفجر الآتي"، بمقال لمجموعة من الكتاب الشباب في فبراير 1909 في نفس دورية "ثروة الفنون"، أعلنوا فيه معارضتهم لحركة "الأدبيات الجديدة" التي أشرنا إليها منذ قليل، وطرحوا تمسكهم بشعار "الفن قضية شخصية موضع تقدير". وكان هذا ترديداً لبعض أفكار الكاتب الفرنسي "جوتييه" مثل "الفن للفن"، غير أن هذه المجموعة أعلنت عن مسعاها لتطوير أدب تركيا مستقل عن الأساليب الأوروبية. وبقيت أهداف هذه الحركة غامضة غير متبلورة وتفككت في نهاية الأمر. وبرز من دعاتها "أحمد هاشم" في مجال الشعر، و"يعقوب قدري كراوس مانوغلو" في مجال النثر. وكان لشعر "توفيق فكرت" أشد التأثير في الناس، إذ كان يختار موضوعاته من صلب حياتهم واهتماماتهم. وفي عام 1896 تم تجميع قصائده من "ثروة الفنون" ونشرها في ديوان بعنوان "القيثارة المحطمة"، حيث نال نجاحاً عريضاً ونفذت طبعاته خلال عام واحد. وبرزت في نهاية العهد العثماني "المدرسة الأدبية القومية" ثالثة التيارات المؤثرة في الأدب التركي الحديث قبل العهد الجمهوري. وكان السلطان عبدالحميد الثاني قد اضطر عام 1908 إلى إعلان حكومة دستورية. واكتسحت "جماعة الاتحاد والترقي" أو "تركيا الفتاة" البرلمان المنتخب. وكان هؤلاء ممن يعارضون النظام العثماني الاستبدادي، ويعتزون بقوميتهم التركية، والتي كان الأدب التركي الجديد امتداداً لها وتعبيراً عنها. ومن أبرز أهداف هذا التجديد التخلص من المؤثرات العربية والفارسية، والتركيز على الهوية القومية واللغوية للأتراك. كانت "خالدة أديب أديفار" (1884-1964) من الأسماء الأدبية النسائية النادرة في هذه المرحلة، وتلميذة الشاعر "نامق كمال"، ودرست بالجامعة الأميركية في اسطنبول، ودعت إلى تحرير المرأة ونبذ نظام الحريم واشتهرت بالخطابة والكتابة والدفاع عن الأفكار التقدمية، وناصرت مساعي كمال أتاتورك في تحديث تركيا وانتخبت عام 1950 نائبة عن مدينة أزمير، لتتفرغ بعد ذلك للأدب. وكانت وزيرة للمعارف، عهد إليها بإصلاح مدارس سوريا للبنات. من أعمالها قصص قصيرة بعنوان "الأطلال" 1911 ومن رواياتها "متاعب القلب" 1918 و"ارجموا الزانية" 1926، وقد حُولت بعض أعمالها أفلاماً سينمائية، كما ترجمت بعض أعمالها إلى اللغات الأجنبية. ولم يهمل الباحثون الأتراك البحث عن جذور الأدب التركي وتطوره التاريخي، وبرز في هذا الميدان "محمد فؤاد كوبرولو"، الباحث المؤرخ ورجل الدولة، سليل عائلة عثمانية عريقة، أعطت الدولة الكثير من رجالاتها. وقد هجر المؤرخ الشعر والنقد مبكراً، وانكب على دراسة الأدب التركي تحت تأثير وتشجيع "ضياء جوكالب"، واحتل عام 1913 منصب أستاذ الأدب التركي في جامعة اسطنبول حيث أدت مجهوداته إلى تأسيس "معهد الدراسات التركية". وفي عام 1936 فاز بعضوية البرلمان فأسس "الحزب الديمقراطي" وتولى منصب وزير الخارجية 1950-1957. وبعد نشر عمله عام 1919 عن بواكير التصوف في تركيا، وهو بعنوان Turk Edebiyatinda ilk Mutasavviflar، انهمك في دراسة بدايات التاريخ الأدبي العثماني، وهي مرحلة كانت مجهولة قبل نشره للبحث في الموسوعة الإسلامية عام 1931. كان إبراز الهوية القومية للشعب "التركي" بعد قرون من النظام العثماني معركة ثقافية كبرى لرجال الفكر والسياسة في تركيا الحديثة وربما لا تزال.