بين الرافعة التركية للتحولات العربية... ولعبة تبادل كراسي الزعامة الروسية دروس النموذج التركي للفضاءين العربي والأوروبي، والآمال في حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وعودة لعبة تبادل كراسي الزعامة في روسيا، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. تركيا والربيع العربي في افتتاحية لصحيفة لوفيغارو استعرض الكاتب بيير روسلين الدور المنتظر أن يلعبه النموذج التركي في دعم التحولات الجارية في بلدان الربيع العربي، مشيراً إلى أن المشاركين في المؤتمر السنوي لـ"معهد البوسفور" للدراسات المعني بالعلاقات التركية- الأوروبية وخاصة الفرنسية، توصلوا إلى ثلاث خلاصات أساسية، يرون أنها كانت الأبرز على الساحة التركية خلال هذا العام، هي الأزمة المالية التي هوت فيها القارة الأوروبية وما تستطيع القارة العجوز تعلمه من الدرس التركي في كبح جماح الكساد، والفوز التاريخي لحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان في تشريعيات شهر يونيو الماضي، واستمرار تجاذبات التحول في بلدان الربيع العربي والكيفية التي تستطيع تركيا بها دعم التغيير في تلك البلدان. وفيما يتعلق بتراجيديا الأزمة المالية الأوروبية المديدة تشعر بعض الأوساط التركية بنوع من الارتياح الدفين نكاية في الاتحاد الأوروبي على خلفية العرقلة غير المبررة لمحادثات العضوية التركية في البيت الأوروبي، وفي هذا السياق دعا نائب رئيس الوزراء التركي "علي باباكان" أوروبا إلى استلهام بعض الحلول والتدابير الفعالة التي اتخذتها تركيا للخروج من دوامة الكساد خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث لم تتردد حينها في الإقدام على أي خيار صعب من شأنه التغلب على الأزمة المالية والاقتصادية، ولم ترتهن الزعامات التركية حينها لحسابات الأجندة الانتخابية. وبصدد إعادة ترتيب المشهد السياسي التركي استطاع حزب "العدالة والتنمية" تمرير رؤيته لمستقبل البلاد ولمصالحتها مع تاريخها ومع فضائها الإقليمي. وعلى ذكر الفضاء الإقليمي يذهب الكاتب إلى أن ما أصبح يسمى "الربيع العربي" يمكن أن يستلهم أيضاً من "النموذج التركي"، الذي تمكن من دمج الإسلام والديمقراطية وإظهار عدم تعارضهما. بل إن تركيا اليوم توفر للدول العربية السائرة الآن على طريق التحول ما يشبه "صندوق الأدوات" الشامل -بحسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين- الذي تستطيع كل دولة عربية أخذ ما يناسبها منه، في سياق إعادة بناء عقدها الاجتماعي وبرنامجها الإصلاحي الجديد. ولاشك أن كلام أردوغان الأخير في القاهرة، ودفاعه عن الدولة- غير الدينية، وما ترتب على ذلك من سجالات وردود فعل خاصة من قبل "الإخوان المسلمين"، يظهر أن دور تركيا الإقليمي الجديد سيكون مؤثراً وحقيقيّاً. عضوية الدولة الفلسطينية في مقال بصحيفة ليبراسيون قلل أستاذ القانون بجامعة باريس الثانية "إيف نوفل" من قيمة التهديد الأميركي باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد نيل دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، مشيراً إلى أنه في حال حصول الفلسطينيين على تأييد تسعة أصوات مؤكدة ضمن مجلس الأمن، فإن من المرجح أن تفكر واشنطن في النهاية في الامتناع عن التصويت. ويسوق الكاتب بعض السوابق والالتزامات القانونية الأميركية بعدم استخدام "الفيتو" ضد عضوية أية دولة تنال سبعة فما فوق من أعضاء مجلس الأمن (الذي كان عدد أعضائه قبل 1966 لا يتجاوز 11). وفوق ذلك لو قدر للطلب الفلسطيني التمرير في مجلس الأمن بـ9 أصوات، فسيكون من المؤكد نيله قرابة 126 صوتاً في الجمعية العامة، وهو ما يعني تحقق المطلب الفلسطيني في النهاية. وفي هذا الاتجاه أيضاً يذهب مقال آخر كتبه الصحفي والمؤرخ "دومينيك فيدال" في صحيفة لوموند وقال فيه إن المسعى الفلسطيني الراهن في الأمم المتحدة هو في الواقع عودة لقرار التقسيم الصادر عن المنظمة الأممية في 29 نوفمبر 1947 القاضي بإقامة دولتين على أرض فلسطين التاريخية. وهذه العودة مبررة تماماً الآن ما دام مسار مفاوضات أوسلو قد وصل إلى طريق مسدود. وأكثر من هذا فإن الخطوة الفلسطينية مهمة أيضاً لكشف نفاق بعض العواصم الغربية التي تملأ العالم خطابة بتأييدها لعملية السلام ولنيل الشعب الفلسطيني حقوقه، ولكن عندما يتم تجاوز الأقوال إلى الأفعال تسقط كل تلك المواقف عند أول منعطف، محاباة لإسرائيل ولجماعات الضغط المناصرة لها في العواصم الغربية. وأخيراً يرى "نوفل" أن قيام دولة فلسطينية يحقق أيضاً مصلحة لإسرائيل حيث يوفر لها التوصل إلى حل نهائي وعادل وشامل طوق النجاة الأخير. ثنائية مدفيديف- بوتين صحيفة لوفيغارو خصصت افتتاحية لإعلان الحزب الحاكم في موسكو ترشيح رئيس الوزراء الحالي بوتين لمنصب الرئاسة العام المقبل، وإعلان هذا الأخير بدوره ترشيح الرئيس الحالي مدفيديف لتولي رئاسة الوزراء، ضمن عملية تبادل للكراسي لو قدر لها التحقق، ستعيد كلاً من الرجلين إلى مقعده السابق. وترى الصحيفة أن ردود الفعل الدولية الباهتة، وخاصة الغربية، على الإعلان عن إعادة ترتيب الزعامة بين الرجلين إنما تظهر مدى استياء الغرب من الاتجاه العام الذي تسير فيه الحياة السياسية الداخلية الروسية. والآن مع تهيئة المسرح لبوتين لكي يعود للعب دور الزعيم الأول تتلاشى التصورات الغربية التي كانت تتحدث عن وجود استقطاب أو تنافس ضمني بينه وبين الكريملن، على خلفية افتراض شائع لدى بعض المراقبين للشأن الروسي مؤداه أن مدفيديف يمثل التيار الليبرالي في موسكو الأكثر ميلاً لتقوية العلاقات مع العواصم الغربية في حين أن بوتين يمثل قوة الدفع المعاكسة. ولكن مع ذلك ينبغي ألا ننسى أيضاً أن بوتين ينطلق في مواقفه تلك من حجم الإحباط الذي تراكم لديه بعد أن مد يد التعاون والشراكة، عندما كان رئيساً، إلى إدارة بوش ولكنه لم يلق منها الاستجابة أو التفاعل الإيجابي المناسب. وتذهب لوفيغارو إلى أن الأهم في لعبة تبادل الكراسي المتوقعة العام المقبل هو تراجع خطابة الديمقراطية وتلاشي أي زخم لها، في ردهات صنع القرار في الكريملن. ولذا يرى المراقبون أن انتخابات ديسمبر التشريعية ورئاسيات العام المقبل ستكون مجرد تدابير شكلية وتحصيل حاصل سياسي. والمفارقة أن هذه اللحظة التي تشهد تصاعد زخم المد الديمقراطي في العالم العربي لا يسجل فيها أي حضور لهذا المد في المشهد السياسي الروسي، وهو ما يعني أنه إذا كان ينبغي أن يتغير شيء ما في التعامل الغربي مع روسيا فهو النظرة الأميركية التي بدت في وقت ما مفرطة في التفاؤل بإمكانية حدوث حراك ليبرالي حقيقي على يد مدفيديف، ذي الشعبية الكبيرة في واشنطن مقارنة مع رفيقه بوتين. وفيما يتعلق بأوروبا لاشك أنها في حالة من الإنهاك لم تعد تسمح لها بإعطاء الدروس لأحد، ولذلك فليس أمامها سوى اتباع سياسات براغماتية من خلال الاستعداد سلفاً للترحيب بأية شراكة مع روسيا بوتين. إعداد: حسن ولد المختار