كيف أتاحت بعض القرارات التكنولوجية لشبكة الإنترنت بلوغ مثل هذه النجاحات الباهرة التي نراها في العالم الافتراضي، فيما بقيت الشبكة عرضة للهجمات على نحو يثير القلق؟ وما المطلوب فعله من الولايات المتحدة الأميركية في المسائل الإلكترونية، وبالتنسيق مع حلفائها على الصعيد الدولي؟ في كتابه الذي نعرضه هنا، "حوكمة الإنترنت في عصر انعدام الأمن الإلكتروني"، يرسم روبرت كنيك الخطوط العريضة للأجندة الإلكترونية التي يمكن أن تسعى لتحقيقها واشنطن، وهي أجندة تعالج مسائل الحرب الإلكترونية والجريمة الإلكترونية والتجسس الذي ترعاه الدول، قائلاً إنه ينبغي السعي لتحقيقها باستخدام الأساليب التكنولوجية والقانونية معاً. ويأتي هذا الكتاب فيما تستحوذ مسألة أمن الإنترنت، وبصورة متزايدة، على اهتمام صانعي السياسات، لذلك نجده يقدِّم أفكاراً تقنية بلغة سهلة وجذابة، ويؤكد على أهمية الأمن الإلكتروني بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة ومستقبل الإنترنت ذاتها. فقد سعى أبرز مصممي ومؤيدي الإنترنت منذ أيامها الأولى، للحدّ من دور الحكومة في عمل الشبكة وإدارتها. ومع أن الإنترنت هي نتاج أبحاث موَّلتها الولايات المتحدة طوال عقود، فإن علماء الحاسوب الذين طوروا البروتوكولات التي تعمل الإنترنت بموجبها اليوم، صمَّموها بحيث لا توجد ضرورة لمشغِّل مركزي للشبكة. وطوال العقود الثلاثة الفائتة، نجحت إدارات أميركية متعاقبة في اعتماد نهج يقوم على عدم التدخل في تطوير الشبكة، بما يسمح للإنترنت بالنمو من دون مشاركة حكومية كان يمكن أن تحدّ من توسعها المطّرد أو توقفه. وكما يوضح الكتاب، فقد تم توسيع هذا النهج ليشمل المشهد الدولي ككل؛ حيث احتفظت الولايات المتحدة بالسيطرة على مكوّن ضروري واحد من مكونات البنية الأساسية للإنترنت تتعين إدارته بنشاط؛ ألا وهو نظام اسم النطاق. وفي غير ذلك، كان موقفها يقوم على أن دور الحكومات في إدارة الشبكة، يجب أن يظل محدوداً. لكن ظهور الجريمة الإلكترونية والتجسس الإلكتروني وشبح الحرب الإلكترونية، أدت بالكثير من حكومات العالم إلى ممارسة بعض السلطة السيادية على شبكاتها، والضغط على المنظمات الدولية للاعتناء بتلك المسائل. وأمام الخسائر الاقتصادية المقدرة بنحو تريليون دولار سنوياً جراء الجريمة الإلكترونية، كما يقول المؤلف، فقد انخرطت كثير من الدول في المشهد الممتزج، حيث طورت قدرات هجومية ودفاعية في آن معاً، كشكل جديد من أشكال سباق التسلح. وهنا يرى "كنيك" الولايات المتحدة وهي في طريقها إلى تدشين القيادة الإلكترونية، كقيادة قتالية جديدة يوكل إليها الإشراف على العمليات الهجومية والدفاعية في الفضاء الإلكتروني. وإلى جانبها، هناك دول أخرى طوَّرت قدرات على القيام بعمليات إلكترونية هجومية متطورة، بينما شرعت أكثر من مائة دولة في تنظيم وحدات للحروب الإلكترونية. في عام 2007، تعرضت إستونيا لهجوم إلكتروني أبقاها مفصولة عن الإنترنت طوال أسبوع كامل. وفي العام التالي، استبقت روسيا غزوها العسكري لجورجيا بهجومٌ في الفضاء الإلكتروني. إنها نماذج للصراعات المبكرة في الفضاء الإلكتروني، ومن ثم يرى فيها المؤلف نذراً محتملة بهجمات أسوأ بكثير، حيث يمكن للهجمات الإلكترونية تدمير السجلات المالية، وقطع التيار الكهربائي، وتعطيل شبكات الاتصال المدنية والعسكرية... إذ أصبحت بالفعل بعض القطاعات الأساسية، مثل الطاقة والنفط والغاز والمياه والصرف الصحي، مستهدفة إلكترونياً على نحو متزايد. ويعتقد المؤلف أنه على الولايات المتحدة مكافحة مثل هذه التهديدات، مسترشدة بمبادئ ثلاثة: أولها الاعتماد على نهج شبكي يسعى لإيجاد الحلول عبر مشاركة واسعة النطاق، تشمل مجموعة عريضة من المنتديات. وثانيها التحرك لمساءلة الدول عن تصرفاتها وتصرفات مواطنيها وأنظمتها في الفضاء الإلكتروني. أما المبدأ الثالث والأخير فهو أن تجعل الولايات المتحدة من نفسها قدوة في هذا الفضاء، لجهة الاهتمام بأمنه وضبط علاقاته وفقاً لقواعد ثابتة، أو ما يسميه "حوكمة الإنترنت". محمد ولد المنى ------- الكتاب: حوكمة الإنترنت في عصر انعدام الأمن الإلكتروني المؤلف: روبرت كنيك الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2011