إنها ليلة الانتخابات، والنتائج المبكرة توحي بمتاعب للمرشح الباقي في منصبه. بعدئذ وعلى نحو غامض، يتوقف عدّ الأصوات، ويرى المراقبون من حملة الخصم المتحدي موظفين من شركة صناعة آلات الاقتراع (ومنهم واحد يضع شارة تؤكد أنه مسؤول في المقاطعة) وهم يطبعون تعليمات على الكمبيوترات القادرة على ولوج برامج جدولة الأصوات. وعندما يُستأنف عد الأصوات، يحرز المرشح الباقي في منصبه تقدماً. ويطالب المتحدي بتحقيق، ويرفض المسؤولون المتحالفون مع المرشح الباقي في منصبه نشر المعلومات التي يمكن أن تلقي الضوء على ما إذا كان هناك عبث بالسجلات الإلكترونية.
هذا ليس وهماً من أوهام جنون الارتياب، بل حكاية عن انتخابات حديثة في مقاطعة "ريفرسايد" في كاليفورنيا، وقد أفاد بها "أندرو غامبل" مراسل صحيفة "إندبندنت" البريطانية. ويقدم التقرير الكامل والمطبوع في مطبعة "سيتي بيت لوس أنجلوس" قراءة مدهشة ليس فقط لأنه يُعزز المخاوف حيال التصويت على شاشات تعمل باللمس، بل لأنه يُظهر مدى سهولة قيام المسؤولين بوضع العوائق بعد انتخابات مشكوك فيها.
وهناك ولايات قلقة من احتمال إساءة استخدام آلات التصويت التي لا تترك أثراً ورقياً فحظرت استخدام الآلات في نوفمبر القادم. لكن ولاية فلوريدا، التي قد تحسم نتيجة الانتخابات، ليست من تلك الولايات. وفي الشهر الماضي رفض مسؤولو الولاية طلباً بالسماح للمدققين الداخليين المستقلين بتفحص سلامة الآلات. واتهم متحدث باسم حاكم الولاية "جيب بوش" الساعين إلى استخدام المدققين الداخليين بأنهم يحاولون "تقويض ثقة الناخبين" وأعلن أن "الحاكم يضع ثقته الكاملة في وزارة الخارجية وفي شعبة الانتخابات".
فهل ينبغي أن يشارك الناخبون في هذه الثقة؟ فلننظر في قائمة المجرمين.
قانون فلوريدا يحرم المجرمين المدانين من حق الانتخاب. وفي عام 2000، استأجرت الولاية شركة لإزالة المجرمين المحتملين من قائمة الناخبين المسجلين، وأُقصي هؤلاء الناخبون من مجموع الأصوات. وبعد الانتخابات التي حُسمت بفارق 537 صوتاً، اتضح أن آلاف الأشخاص تم حرمانهم بطريق الخطأ. وباعتبار أن الذين تم تعريفهم بالخطأ كمجرمين إنما هم أميركيون من أصل أفريقي وذوي توجهات ديمقراطية بنسب غير متجانسة، وربما تكون هذه الأخطاء وضعت "جورج دبليو بوش" في البيت الأبيض.
وفي هذه السنة، استأجرت ولاية فلوريدا أيضاً شركة "أكسينشار" الخاصة التي حصلت مؤخراً على عقد يخص الأمن الداخلي وقيمته 10 مليارات دولار لإعداد قائمة بأسماء المجرمين. ونتذكر هنا عام 2000 حين سعى الصحفيون إلى الحصول على نسخ من القائمة. وأقام مسؤولو الولاية العوائق، لكن قاضياً أمر في نهاية المطاف بنشر القائمة.
وسرعان ما اكتشفت صحيفة "ميامي هيرالد" أنه تم منح الرأفة لـ2100 مواطن، وهو الأمر الذي أعاد إليهم حق التصويت، لكن أسماءهم كانت على قائمة الأشخاص الممنوعين من التصويت. ثم اكتشفت صحيفة "ساراسوتا هيرالد تريبيون" أن ذوي الأصول الأميركية اللاتينية يشكلون نسبة 61% فقط من أكثر من 47 ألف مجرم مفترض. وكان من شأن القائمة أن تحرم الكثيرين من الناخبين الشرعيين الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية من حق الانتخاب، في حين تمنح ذلك الحق وبالخطأ لكثير من المجرمين ذوي الأصول الأميركية اللاتينية. ولم يفلت من انتباه أحد في فلوريدا أن الناخبين ذوي الأصول الأميركية اللاتينية يميلون إلى تأييد الجمهوريين.
وبعد أن أنكروا في البداية وجود مشكلة، أعلن مسؤولو الولاية أن ذلك خطأ بريء. وطلبوا من شركة "أكسينشار" المطابقة بين قائمة أسماء الناخبين المسجلين وقائمة أسماء المجرمين ليتم تمييز أي شخص يتطابق تاريخ ميلاده وعرقه في القائمتين. وقالوا إنهم لم يدركوا أن هذا سيغفل تلقائياً المجرمين الذين يعرِّفون أنفسهم بأنهم من أصول أميركية لاتينية، وذلك لأن تلك الفئة موجودة على قوائم الناخبين لكن ليس في السجلات الجنائية للولاية. لكن موظفي شركة أعدّت قوائم بأسماء المجرمين في وقت سابق يقولون إنهم حذروا مراراً وتكراراً مسؤولي الانتخابات في الولاية من تلك المشكلة بعينها.
فدعونا نبتعد عن الخجل. إن "جيب بوش" يقول إنه لن يسمح بإجراء معاينة مستقلة لآلات التصويت لأنه يضع "ثقته كاملةً" في مسؤولي الانتخابات الذين تم انتقاؤهم بعناية. وعلى رغم ذلك فإن لهؤلاء المسؤولين تاريخاً يكشف أداءهم المهمل بخصوص قضايا أخرى تتعلق بالتصويت، كما أن أخطاءهم تنتهي دوماً بتأييد الجمهوريين. فلماذا ينبغي أن يثق كل شخص في حكمهم على سلامة ونزاهة آلات التصويت عندما يكون هناك خطأٌ آخر من الممكن أن يحقق نصراً للجمهوريين في انتخابات وطنية تكبر فيها الرهانات كثيراً؟
ينبغي ألاّ تكون هذه مسألة حزبية. وفكّروا حول ما من شأن انتخابات ملوثة أن تفعله بإحساس أميركا الذاتي وبدورها في العالم. ففي وجه قيام المسؤولين بإقامة العقبات الرسمية، من المرجح أن يكون المتشككون قادرين بطريقة أو بأخرى على إثبات ما إذا تم تحريف عملية عد الأص