سلّطت وفاة لاعبَيْ كرة القدم الإماراتية، لاعب "بني ياس" والمنتخب الوطني، ذياب عوانة، ولاعب "الظفرة"، سعيد النوبي، الأيام القليلة الماضية، الضوء على إحدى الظواهر الخطِرة التي تحصد طاقاتنا الشابة، ليس في مجال كرة القدم وحسب، وإنما في مختلف المجالات الأخرى أيضاً، ألا وهي ظاهرة الحوادث المرورية التي باتت تمثّل هاجساً مقلقاً للمجتمع الإماراتي، لما يترتب عليها من تكلفة بشرية واقتصادية واجتماعية ضخمة تفوق كل التوقعات. لقد كان الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، رئيس "نادي بني ياس" الرياضي، محقّاً حينما قال في كلمته عقب تأديته صلاة الجنازة على جثمان اللاعب ذياب عوانة "إن ما تتعرض له طاقات الوطن الشابة من هدر مؤسف بفعل الحوادث المرورية، يقتضي منا جميعاً مواصلة الجهود لوقف هذا الأمر عند حدّه، وبما يليق بما وصلت إليه الدولة من حداثة ورقي في شتى المجالات، لأنه من المؤلم لنا جميعاً أن يخسر الوطن طاقات من أبنائه جراء حوادث يمكن تفاديها". ما يدعو إلى القلق حقاً أن النسبة الكبرى من ضحايا الحوادث المرورية في الدولة باتت تتركّز خلال الأعوام القليلة الماضية في فئة الشباب صغار السن، فحسب الإحصاءات المرورية الصادرة عن وزارة الداخلية فإن الوفيات في الشريحة العمرية الممتدة ما بين 18 و30 عاماً تتزايد، وتشكّل نسبة تصل إلى 40 في المئة من إجمالي وفيات الحوادث المرورية، وهذا أمر لا شك يمثّل إهداراً كبيراً لطاقاتنا الشابة، التي تشكّل عماد المجتمع وحركة تطوره في مختلف المجالات، لأنها تعني حرمان المجتمع من عناصر كان يمكن أن تنخرط في مشروعات التنمية وخططها، فضلاً عن تداعياتها الاجتماعية والنفسية الكبيرة على أسر هؤلاء الضحايا من الشباب. استمرار ظاهرة الحوادث المرورية وتركيزها في فئة الشباب يشيران بوضوح إلى أن المجتمع بأكمله هو الضحية، وهو الأمر الذي يتطلّب معه أن تكون مواجهتها في إطار مجتمعي شامل، ولهذا فإن دعوة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان "جيل الشباب، ومعهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية والإعلامية والتثقيفية كافة، إلى العمل الفوري على إحداث التغيير الإيجابي المطلوب في أذهان الناس، حول أهمية التأنّي والحذر في أثناء القيادة، ونبذ السرعة بوصفها المتسبّب الرئيسي لأغلبية الحوادث المميتة" هي دعوة صادقة، وتلامس جانباً بالغ الأهمية من أسباب هذه الظاهرة التي باتت تحصد طاقاتنا الشابة، وهو ذلك الجانب المتعلّق بالثقافة المجتمعية، فالمشكلة لم تعد في الأطُر التنظيمية والتشريعية التي تحدد القواعد واللوائح المرورية، وإنما تكمن في الأساس في الثقافة المرورية السائدة لدى كثير من أفراد المجتمع، خاصة فئة صغار السن من الشباب، التي تجعل الكثيرين منهم لا يبالون سواء بالقواعد المرورية أو حتى بالغرامات المالية التي قد تفرض على المخالفين منهم؛ ولذا فإن التحرك نحو تغيير هذه الثقافة أمر ينطوي على قدر كبير من الأهمية، وإذا كانت وزارة الداخلية بإداراتها المختلفة تقوم بالدور المهم في هذا الشأن، فإن هناك ضرورة لانخراط أطراف المعادلة المرورية كافة ضمن هذه الجهود، الإعلام ومؤسسات التنشئة المختلفة كالأسرة والمدرسة والجامعة، من أجل إيجاد ثقافة مرورية تنمّي الالتزام الذاتي بالقواعد المرورية، ليس من منطلق الخوف من العقاب القانوني، وإنما من منطلق أن ذلك جانب رئيسي من جوانب التطور والرقي الحضاري للدولة.