القاعدة الثابتة في تنظيم "القاعدة" هي أنّه ينشط في أوقات الفوضى ويصبح فاعلاً في أماكن الاضطراب، فلمحة على تاريخه منذ التأسيس وحتى اليوم تؤكد هذا بوضوح. نعم، قد تقوم بكثيرٍ من عملياته وتفجيراته خارج نطاق الفوضى والاضطراب، ولكنّه ينظّم نفسه ويدرّب أتباعه ويرسم خططه حيث يكون الاضطراب وحيث تصبح الفوضى. لنعد أدراجنا في تاريخ التنظيم، وتحديداً لحظة بنائه الأولى فقد تمّ إنشاء التنظيم في أفغانستان وباكستان في ظل فوضى عارمةٍ، حيث آخر بؤرة للمواجهة العسكرية بين قطبي العالم إبّان الحرب الباردة، والتي كانت تقودها أميركا وحلفاؤها من جهةٍ ومن الجهة الأخرى الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه، وكان متدينو "القاعدة" وغيرها بيادق على رقعة شطرنجٍ ضخمةٍ، وفي محطةٍ على الطريق نشطت "القاعدة" في القرن الأفريقي حين كان لها في السودان ملاذٌ ثم لقيت في أفغانستان "طالبان" مواقع محصّنةٍ، ويصح هذا في العراق لاحقاً والجزائر واليمن، ثم في مثلّث الجزائر- موريتانيا- مالي. لقد تمّت هزيمة التنظيم في أكثر الأماكن التي نشط فيها يوماً، في أفغانستان كما في العراق، وفي السعودية كما في الجزائر، فقتل الكثير من قادته واعتقل الكثير من عناصره، وتمّ تفكيك خطابه ونقد مفاهيمه وممارساته، وتحالف العالم ضدّه لأنّه هاجم الجميع، بغض النظر عن دينهم أو طائفتهم أو مذهبهم، ولم يبق له من الحلفاء إلا خصوم الأمان العالمي لمصالح يرونها هنا أو هناك، حيث دعمته باكستان من تحت الطاولة لتلاعب به العالم، وآوته ورعته إيران للهدف ذاته، وكل ينظر لمصالحه ويستغل التنظيم لخدمتها. وما هو معروف اليوم هو أنّ هذا التنظيم لم يكن يردّ يد لامسٍ، وخطابه الأيديولوجي الصارم لم يمنع قياداته من التحالف مع ألدّ الخصوم الأيديولوجيين، ذلك التحالف الذي يعتبره خطابه العقدي كفراً ويتكئ في تكفير كثيرٍ من البلدان الإسلامية التي هاجمها على مثله. زيادةً على هذا فقد نصبت كثير من دول العالم محاكمات لعناصر التنظيم وقياداته ومنظريه وداعميه، من شرق آسيا مروراً بالسعودية وصولاً لأوروبا، ومصادر تمويله من التبرعات ونحوها قد تمّ تجفيفها في أكثر البلدان الإسلامية فضلاً عن الغرب. إنّ تنظيم "القاعدة" تنظيم متحرك لا ثابت من ناحية المكان والزمان كما سبق، وهو اليوم وفي المستقبل القريب، سيتحرك من مواقعه القوية في المرحلة الماضية، ولئن كان وضعه في أفغانستان وباكستان مرتبطاً بقراراتٍ سياسيةٍ باكستانية، فإنّه في أفريقيا سيجد مكانين جديدين للانتقال، الأوّل: من مثلث الجزائر - موريتانيا- مالي وعبر الصحراء الجزائرية ليصل لجنوب ليبيا وشمال النيجر وتشاد وصولاً إلى الشمال الغربي للسودان، ومع الأخذ بالاعتبار اضطراب تلك الجهة من السودان واضطراب ليبيا، وكثرة المسلحين فيها من الجماعات الإسلامية، فإنّ تلك البؤرة قد تكون موضع قلقٍ حقيقيٍ خاصةً بعد تفجيرات الجزائر الشهر الماضي. الثاني: قد لا يعتبر انتقالاً وإنما انتشاراً، ذلك الذي قد يخرج من اليمن ليطال القرن الأفريقي انطلاقاً من الصومال إضافةٍ لما قد تلتقي فيه ثانيةً مصالحه مع مصالح الحكومة السودانية خاصةً بعد ولادة الدولة الأحدث على مستوى العالم دولة جنوب السودان حين نستحضر استمرار المناوشات بين الدولتين القديمة والجديدة في الشمال والجنوب. تبقى هذه محاولةً لفهم ماسيجري في ظلّ ما جرى ويجري، ولكنّها لا تقطع بشيء، فالأمور رهن في الموقعين بمتغيراتٍ كبيرةٍ وصغيرةٍ، تجعل التخوّف مشروعاً والاحتراز واجباً، فكلا الموضعين يتمتع بمواصفات نموذجية لنشاط التنظيم، اضطرابات سياسية كبرى، وفوضى سلاحٍ شاملةٍ، وانتشاء مادي ضخم في الموقع الأفريقي الشمالي، يقابله فقر مدقع في الموقع الأفريقي الجنوبي. سيبقى الأهمّ هو الدعم اللوجستي الكبير الذي يحظى به التنظيم أو أشقاؤه من باكستان كما اتهم رئيس أركان الجيوش الأميركية "مايكل مولن"، باكستان الجمعة الماضية بتصدير العنف لأفعانستان، ويقصد "جماعة حقّاني" التي كانت ولم تزل على علاقة طيبة بـ"القاعدة"، وبالمقابل فقد هددت باكستان أميركا بأنّها ستخسر حليفاً، وحين تفعل باكستان ذلك فإنّها لا شك ستتوسع في تصدير ذلك العنف ليشمل مناطق أخرى غير أفغانستان. وكذلك دعم لوجستي آخر لا يقل خطورةً إن لم يزد عن باكستان، وهو الدعم القادم من بعض الدول الإقليمية المهددة بخسارة أقوى حليفٍ لها في المنطقة وهو النظام السوري، وحين يحدث هذا، فإنّها ستتجه لتحريك أوراقها الأخرى، وستكون ميزانية دعم ذلك النظام مقسّمةً على القوى الأخرى وستكون "القاعدة" بالتأكيد على رأس قائمة الدعم الجديدة، فخطوط الاتصال قائمة ونشطة ووسائل الدعم مجرّبة والاتفاق بين الطرفين على تناقضهما قائم. وسيكون دعم هذه الدولة الإقليمية شاملاً لكل "القاعدة"، ولكنّ تركيزها سيكون أكثر على "قاعدة" العراق و"قاعدة" اليمن، حيث قد تشعر بأنّهما المكانان الأنسب لإعادة ترميم قوّتها في المنطقة، والظروف ملائمة لإعادة إحياء النشاط في المكانين. لن يتمّ القضاء المبرم على "القاعدة" سياسياً إلا من خلال اتفاقٍ قويٍ مع باكستان، وترتيبٍ ما للأوضاع في اليمن، لتبقى بعض الدول الإقليمية منفردةً لا في موقفها مع "القاعدة" بل في كل مواقفها الأخرى، أما الأبعاد الأخرى للقضية كالأمنية والمالية فقد قطعت شوطاً مهماً حول العالم لحصار التنظيم عبر العالم، أمّا الفكرية فلم تزل تجري، وإن لم تصل بعد لمستوى نجاح الأبعاد الأخرى. إن الحرب الإعلامية بين "القاعدة" والعالم لا تقل هوادةً، ولا تنقص تأثيراً عن مثيلاتها في المجالات الأخرى، فقد تم إنجاز الكثير من الأعمال في هذا المجال، فحين كان تركيز إعلام "القاعدة" على صور الشهداء وأناشيد الخلاص، مع رؤية التخطيط والتنفيذ وغيرها، فقد واجهها الإعلام العالمي والعربي والمسلم بشتى الطرق، بالبرامج الفضائية، والمسلسلات الدرامية، والأخبار الصحفية ومقالات الرأي والكاريكاتير، ولم يدع الإعلام وسيلة إلا استخدمها في مواجهة تنظيم "القاعدة" وعقيدته التخريبية وأفعاله المجرّمة دينياً وأخلاقياً وقانونياً عبر العالم كلّه. وكان للمواجهة مواقع أخرى حيث مناهج التعليم والجمعيات الخيرية، وحيث الأبحاث والدراسات والكتب والمؤلفات، وكذلك مراكز البحوث والدراسات، وغيرها، بحيث أسهم الجميع من شتى دول العالم وخاصة الدول الإسلامية في تلك المواجهة، ولم يدّخر أحد وسعاً في متابعة ملاذات هذا التنظيم ومخابئه وعناصره ومواطن التجنيد ومنابع التخريب الفكري والعقدي حتى استطاع العالم أن يتنفّس الصعداء من شروره وأعماله البشعة. ختاماً، لم ينته تنظيم "القاعدة" بعد، ولكنّ بروجه المشيّدة –كما عبّر "لورانس رايت"- قد هدمت، وأشباحه –كما عبّر ستيف كول- قد حوربت وهزمت، أهمّ قادته ومنظريه بين قتيلٍ وسجينٍ، وأهمّ أفكاره قد قضي عليها، والأهمّ من هذا كلّه أنّ اللحظة التاريخية قد تجاوزت خطابه كلّه، ومن هنا فالبيئة التي كان يتغذّى عليها إمّا قد تغيّرت بالكامل، وإمّا قد أصبح لدى الخاضعين لها مخارج أخرى لا تشتمل على الدمّ والعبقرية في القتل والتدمير.