تشير أهداف الألفية للتنمية (Millennium Development Goals)، إلى ثمانية أهداف للتنمية الدولية، اتفق عام 2000 جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة البالغ عددها الآن 193 دولة خلال القمة المعروفة بقمة الألفية، بالإضافة إلى أكثر من 23 منظمة دولية أخرى، على تحقيقها بحلول عام 2015 . وتتضمن هذه الأهداف ضمن ما تتضمن، القضاء على الفقر الشديد أو المدقع، وخفض معدلات الوفيات بين الأطفال، ومكافحة الأمراض المعدية الوبائية مثل الأيدز، وتطوير وتفعيل إطار للشراكة الدولية الرامية لتحقيق التنمية. والآن بعد مرور أحد عشر عاماً على هذا الاتفاق الدولي التاريخي، واقتراب الموعد النهائي لبلوغ تلك الأهداف الذي يحل بعد أربعة أعوام فقط، يبدو أن تحقيق الجزء الأكبر من هذه الأهداف، للغالبية العظمى من دول العالم على الأقل، لا زال حلماً بعيد المنال يواجهه كثير من الصعاب، وخصوصاً على صعيد صحة ووفيات الأمهات والأطفال، حسب دراسة نشرت هذا الأسبوع في إحدى الدوريات الطبية المرموقة (The Lancet). فمن خلال تحليل البيانات والإحصائيات المتعلقة بهدف التنمية الرابع، والمتعلق بخفض الوفيات بين الرضع والأطفال الأقل من خمس سنوات بمقدار الثلثين بحلول عام 2015، وهدف التنمية الخامس الرامي لخفض الوفيات بين الأمهات الحوامل بمقدار ثلاثة أرباع، وتوفير الرعاية الصحية الإنجابية لجميع النساء حول العالم دون استثناء، يعتقد الباحثون أن تسع دول فقط من بين 137 دولة نامية، سوف يمكنها بالفعل تحقيق هذه الأهداف بحلول الموعد النهائي. ويتوقع الباحثون أن يبلغ هذا الإخفاق أشده في الدول الأفريقية جنوب الصحراء، البالغ عددها 23 دولة، حيث لا يتوقع أن تتمكن هذه الدول من تحقيق أي من تلك الأهداف. وإن كانت بعض الدول مثل الصين، وروندا، وبتسوانا، ومن المنظور التاريخي، نجحت فعلاً في تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد خفض الوفيات بين الأطفال. ويمكن إدراك حجم مشكلة الوفيات بين الأطفال كقضية صحة عامة دولية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن 25 ألف طفل دون عمر الخامسة يلقون حتفهم مع نهاية كل يوم، وهو ما يترجم إلى أكثر من تسعة ملايين وفاة سنويّاً. وعلى رغم أن هذا العدد قد شهد انخفاضاً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين، من 12,7 مليون عام 1990 إلى 9,2 مليون عام 2007، إلا أن عدد الوفيات ما زال هائلًا بكل المقاييس. وتتوزع هذه الوفيات على عدد محدود من الدول إلى حد ما، حيث يقع 94 في المئة منها في ستين دولة فقط، معظمها دول أفريقية. ومما يزيد الموقف مأساوية، حسب تقدير منظمة "اليونيسيف"، حقيقة أن من الممكن منع مليون وفاة سنويّاً، إذا ما توافر مليار دولار فقط. أي أنه من الممكن إنقاذ حياة الملايين من هؤلاء الأطفال، إذا ما أنفقت ألف دولار فقط على رعاية وعلاج كل واحد منهم. ولا يمكن الحديث عن وفيات الأطفال من دون الحديث عن وفيات الأمهات والصحة الإنجابية بوجه عام. ويتضح حجم الوفيات بين الأمهات من حقيقة أنه بمرور كل دقيقة، من كل ساعة، من كل يوم، تلقى امرأة حتفها، أثناء الحمل، أو الولادة، أو النفاس. ومما يضاعف من وقع هذه المشكلة، أن هذه الوفيات لا تحدث بشكل متساوٍ بين دول العالم، حيث يقع معظمها بين نساء دول العالم الثالث. ففي الوقت الذي لا تزيد فيه نسبة وفيات الأمهات عن 9 لكل 100 ألف ولادة حية في الدول الغنية، وأحياناً 4 فقط كما هو الحال في النمسا مثلًا، نجد أن هذه النسبة ترتفع أحياناً إلى 2000 وفاة كما هو الحال في سيراليون وأفغانستان، وهذا يعني أن احتمالات وفاة الأم الأفغانية تزيد بخمسمائة ضعف عن احتمال وفاة الأم النمساوية. وإذا ما تطرقنا لأسباب هذه الوفيات فلابد أن نقسم الإجابة إلى أسباب طبية، وأسباب أخرى اجتماعية واقتصادية محلية. وفي مجموعة الأسباب الطبية يحتل النزيف الحاد رأس هذه القائمة بنسبة 25 في المئة، تليه العدوى بنسبة 13 في المئة، ثم تسمم الحمل بنسبة 12 في المئة، ثم تعسر الولادة بنسبة 8 في المئة. وبنظرة سريعة إلى هذه القائمة نجد أن علاج جميع أسبابها متوفر للطب الحديث منذ عقود طويلة، وبتكلفة زهيدة نسبيّاً. فالنزيف الحاد يمكن علاجه ببساطة بنقل الدم، وتستطيع المضادات الحيوية علاج غالبية حالات العدوى. أما تعسر الولادة فيمكن علاجه بالولادات القيصرية. وهو ما يعني أن هذه الوفيات لا تقع بسبب عجز الطب عن التعامل معها، وإنما بسبب نقص الموارد المالية المتاحة لنظم الرعاية الصحية المعنية بصحة الأم والطفل. ولا يمكن النظر إلى قضية الوفيات بين الأطفال والأمهات وتحليلها بعيداً عن المتوفر من الغذاء الصحي لهم، في ظل تواتر الأخبار عن المجاعات في بعض مناطق العالم المختلفة، كما هو الحال الآن في الصومال مثلاً. ففي الوقت الذي ينفق فيه سكان الدول الغنية 10 في المئة فقط من دخلهم على الغذاء، مما يسمح لهم بامتصاص موجات التضخم في أسعار الغذاء من دون تأثير يذكر على مستوى معيشتهم، نجد أن الوضع يختلف مع سكان الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، حيث تستهلك نفقات الغذاء ما بين 60 في المئة إلى 70 في المئة من إجمالي الدخل، مما يجعل زيادة الأسعار، ولو بنسبة بسيطة، تؤثر سلباً بقدر كبير على مستوى معيشتهم، وربما أحياناً ما يدفع ببعضهم تحت خط الفقر، ونحو هاوية سوء التغذية المزمن.