--------- أتابع كإمام مسجد في العاصمة الأردنية عمّان، التطورات المثيرة عبر المنطقة بخليط من الآمال الكبيرة والقلق الشديد. وتشكّل ظاهرة الشباب الذين ينظمون أنفسهم بشكل سلمي للمطالبة بإصلاحات سياسية وفرص اقتصادية وحقوق الإنسان ظاهرة إيجابيّة في نظري. والعديد من المصلين في مسجدي ينتمون إلى هؤلاء الشباب. وفي هذه الأوقات يُعتبر دور الإسلام أساسيّاً، ويبدو أن المجتمعات العربية تدرك ذلك. وأستطيع أنا إدراك ذلك من تنامي أعداد المصلين في مسجدي، الذي يمتلئ كل يوم جمعة. ويجد الشباب شعوراً بالارتياح والإلهام في الإسلام وهم يواجهون مستقبلاً مفعماً بالشك وعدم الوضوح. وفي الوقت نفسه، يثير بعض المحللين السياسيين، في داخل المجتمعات العربية وفي العالم على اتساعه، مخاوف من دور ما يسمى بالجماعات "الإسلامية" في التحولات السياسية الراهنة. ويطلب مني بعض المصلّين في مسجدي أحياناً كثيرة المشورة حول هذه القضية. وأحاول، استجابة لطلبهم في خطبة الجمعة، وكذلك في محادثات شخصية معهم، صياغة إجابات حول ضرورة ضمان تطبيق مبادئ الإسلام بشكل صحيح، وألا يتم توظيف الإسلام من قبل حركات سياسية انتهازية. وتتواجد في حالة التغيير المتواصل في المنطقة العربية اليوم، منافسة نشطة على الشعبية السياسية في سوق جديد للأفكار. ويتعين على المرء عند تقييم أية شخصية أو حركة سياسية تدّعي حصولها على الشرعية من الإسلام، طرح العديد من الأسئلة والمطالبة بإجابات واضحة لا يكتنفها الغموض. والسؤال الأول هو: هل تساند الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية المتساوية لجميع مواطني بلدك، بغض النظر عن عرقهم أو نوعهم الاجتماعي أو طائفتهم؟ يجب أن تكون الإجابة "نعم"، حيث يقدّم القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة رؤية للعدالة الاجتماعية في كافة صورها وأشكالها، ليس فقط للرجال وإنما كذلك للنساء، وليس فقط للعرب وإنما كذلك لغيرهم من الأصول العرقية، وليس فقط للمسلمين وإنما كذلك لجميع بني البشر. تلك هي قناعتي كدارس للإسلام طوال حياتي. والنصوص التي تثبت ذلك وتؤكده كثيرة، ولكن يكفي القول إن رؤية القرآن الكريم في المساواة والعدالة موجهة ليس لجزء معين من البشر وإنما لجميع "بني آدم". والسؤال الثاني هو: هل تؤمن بأن الإسلام متوافق مع تعريف لحكم القانون يتسامى على الاجتهادات الفقهية لبعض الفقهاء في أحد الأديان؟ ينبغي أن تكون الإجابة "نعم". فمن منظور إسلامي معاصر، ليست الاجتهادات الفقهية وثيقة تحل محل النظام القانوني لبلد ما. بل على العكس، فهي مجموعة من المبادئ تتطلب من المسلم المؤمن احترام قوانين البلد الذي يعيش فيه، بشرط أن تكون تلك القوانين متوافقة مع القيم العالمية للمساواة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وإضافة إلى ذلك، وفي حال وجود قانون معيّن يكون غير منصف أو غير عادل، فإن الشريعة تتطلب من المسلم المؤمن العمل ضمن إطار قانوني وديمقراطي لتعديل ذلك القانون. يؤكد الإسلام على مبدأ الشورى، أو التشاور كأسلوب للوصول إلى القرارات التي تؤثر على الجسم السياسي. وأخيراً، السؤال الثالث هو: هل تعتبر أن برنامجك السياسي هو أداة لا تشوبها شائبة لتعاليم الإسلام؟ يجب أن تكون الإجابة "لا". فالقرآن الكريم يشهد على حقيقة أن بني البشر، الذين أعطوا قدرة دنيوية، هم عرضة للخطأ والفساد. والإسلام بدوره بريء من أخطاء هؤلاء الذين قد يتجرؤون على تفسيره أو تطبيقه، بطرق خاطئة. ولأنه من الغطرسة والشبهة الاقتراح بأن أحداً ما لا يخطئ، فإنه من الغطرسة والشبهة كذلك الادعاء بالحديث باسم الإسلام. وإضافة إلى ذلك، فإن ادّعاء الحديث باسم الإسلام هو تأكيد لفوقية على البرامج السياسية الأخرى، وهذا موقف يؤدي إلى السلطوية. والإسلام كما أفهمه يتطلب من بني البشر التفاهم والتشاور حول اختلافاتهم في التقدير والتدبير، والحكم بشكل توافقي. مصطفى حسين أبو رمان إمام مسجد ابن سنان في عمان، الأردن ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند" الإخبارية