في كتابه "فن الحرب"، الذي يعتبر من أقدم الكتب في هذا المجال، يرى "صن تزو" أن الحروب جميعها قائمة على الخديعة، ولو قدر للخبير الصيني في الاستراتيجية الحربية أن يشاهد الصراع العربي الإسرائيلي منذ انطلاقه لأبدى العديد من الملاحظات ليس فقط عن أن الحرب خدعة، بل أيضاً كيف تحول العدوان الثلاثي المشترك بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على مصر في عام 1956 إلى كارثة سياسية للغزاة وإلى نصر مؤزر لمصر، وكيف شنت إسرائيل هجوماً خاطفاً في عام 1967 على مصر والأردن وسوريا، ثم كيف خدع الرئيس السادات الدولة العبرية وباغتها في حرب 1973، ولو امتد به العمر لكان "صن" أيضاً قد علق على الحملة الإسرائيلية الطويلة والفاشلة على لبنان في 1982؛ وبتطبيق الفكر الاستراتيجي لـ"صن تزو" على الحرب الدبلوماسية الدائرة حاليّاً في أروقة الأمم المتحدة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة والفلسطينيين ومعظم دول العالم من جهة أخرى فإننا سنخرج بالخلاصة التالية: على رغم التفوق العسكري الكاسح لإسرائيل وأميركا وقوتهما العسكرية الهائلة يعاني الجانبان من ضعف شديد من الناحية الدبلوماسية، حيث إن تبريراتهما لا تستقيم منطقيّاً وتصريحاتهما لا يمكن الدفاع عنها، كما أن تأكيداتهما تجانب الصواب والواقع، وهذا الضعف الظاهر في المسوغات التي تسوقها تل آبيت وواشنطن ينعكس بوضوح في التصريحات غير المتماسكة والمقولات المتهافتة التي لا تقنع أحداً. وفي إطار المواجهة الدبلوماسية يمكن إعادة صياغة حكمة "صن تزو" الاستراتيجية لتطبيقها على فن الحروب السياسية لتصبح: عندما يظهر على الخصم الارتباك وعدم التماسك، على رغم كل قوته العسكرية، فإن ذلك علامة ضعف، ولذا يتعين الضغط ما أمكن لتحقيق مكاسب سياسية مع ترك هامش لحركة الخصم يستطيع النفاذ منها، وأمام المساعي الفلسطينية في هذه اللحظة لطلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين من الأمم المتحدة وإعلان استقلالها، يجد أوباما نفسه في حيرة من أمره بين تعطيل التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني في نيل حقوقه وإقامة دولته من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، أو الانحياز إلى هذه الحقوق ومن ثم إغضاب إسرائيل ومعها اللوبي اليهودي القوي والنافذ في الولايات المتحدة. وفي النهاية يبدو أن أوباما حسم موقفه الذي لا يخرج عن المواقف التقليدية لأميركا بالاصطفاف الدائم مع إسرائيل واختيار المصلحة السياسية بدل المبادئ المحقة! والحقيقة أنه لا أحد يستطيع أن يلوم الفلسطينيين على التوجه إلى الأمم المتحدة، فقد كان القرار الأممي 181 الصادر في عام 1947 هو المؤسس لدولة إسرائيل والداعي إلى التقسيم، فهل تكون الأمم المتحدة مفيدة ومرغوب فيها عندما تخدم مصالح إسرائيل وتصبح مذمومة ولا جدوى منها عندما تخدم المصالح الفلسطينية؟ لكن مع ذلك ترى واشنطن أن المبادرة الفلسطينية غير مبررة لأنها في نظرها تسعى إلى استبدال مسلسل السلام بمجموعة من الخطوات القادرة على إيصال الفلسطينيين إلى عدد من الوكالات الأممية، ولاسيما محكمة الجنايات الدولية، وبالتالي احتمال لجوئهم إلى المحكمة ورفع دعاوى ضد إسرائيل لانتهاكها القانون الدولي ولجرائمها ضد الفلسطينيين، وهو التطور الذي تسعى واشنطن جاهدة للوقوف ضده. ولأن الولايات المتحدة تقف وحيدة في الدفاع عن مقولات إسرائيل غير المنطقية وغير القابلة للدفاع عنها ومحاولة حشد التأييد لمواقف واهية فإن ذلك يؤدي إلى إنتاج تبريرات غير معقولة ودفوعات هشة، فقد لجأت وزارة الخارجية الأميركية في محاولتها إقناع سبعين بلداً بعدم التصويت على المبادرة الفلسطينية بالقول إن ذلك من شأنه "زعزعة استقرار المنطقة" و"الإضرار بجهود السلام"، ولكن كيف يمكن لمبادرة دبلوماسية يتقدم بها الفلسطينيون إلى الأمم المتحدة، الراعية الأولى للسلم والأمن الدوليين، أن تهدد الاستقرار؟ ألا تندرج الخطوة الفلسطينية أصلًا ضمن جهود السلام؟ والأمر نفسه ينطبق على نتنياهو الذي كرر المقولة نفسها على أسماع رئيس الاتحاد الأوروبي بأنه لو اعترفت الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية فذلك "سيضع مفاوضات السلام في مأزق"، وأتمنى لو يطرح رئيس الاتحاد الأوروبي سؤالا بسيطاً على نتنياهو: "أين وصلت يا رئيس الوزراء مباحثاتكم مع الفلسطينيين في هذه اللحظة؟"، وفي محاولة لإثناء الفلسطينيين أكدت إدارة أوباما أن تصريحاً سيصدر من اللجنة الرباعية يحدد "مجموعة من اللقاءات والتحركات من أجل السلام"، ولكن هذه المحاولة لا تنطلي على أحد، فقد احتكرت الولايات المتحدة على مدى سنوات ملف السلام واقتصر دور باقي الأعضاء في اللجنة الرباعية على حضور الاجتماعات والتوقيع على البيانات، فإذا فشلت أميركا في الضغط على إسرائيل وإقناع رئيس وزرائها بالتعامل الجدي مع عملية السلام، وهي التي تملك نفوذاً كبيراً على إسرائيل، لمَ التوقع بأن باقي الأعضاء سينجحون فيما أخفقت فيه واشنطن؟ وأكثر من ذلك أن ما تطرحه أميركا لا يعدو كونه "مجموعة من اللقاءات" فيما التوجه إلى الأمم المتحدة سيضمن تصويت ما لا يقل عن 130 دولة لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومن ضمن تلك الدول بلجيكا والدنمارك وفرنسا وإيرلندا واللوكسمبورج وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة. ويبدو في النهاية أن جميع المبررات التي تسوقها أميركا وإسرائيل لإقناع العالم بعدم جدوى التحرك الفلسطيني تفتقد للتماسك والقدرة على الإقناع لأنها ببساطة حجج واهية وضعيفة من أساسها، وهو ما يحيلنا مرة أخرى إلى الحكمة القديمة للمنظر الصيني "صن تزو" عندما قال "في الحرب عليك تجنب ضرب القوي والتركيز على ضرب الضعيف" وبالنسبة للفلسطينيين يوفر التحرك الدبلوماسي في الأمم المتحدة المكان الأفضل لتسديد الضربات لإسرائيل.