جاءت الجولة الجديدة من محادثات السلام بين الحكومة السودانية و الحركة الشعبية لتحرير السودان ، الأربعاء الماضي في كينيا، بعد اتفاق الترتيبات الأمنية الذي وقعه الجانبان قبل أزيد من أسبوعين، لتثير السؤال مجددا حول الدكتور جون قرنق ، زعيم الجبهة الشعبية لتحرير السودان ، وما إذا كان في تاريخه السياسي والعسكري ما يدفعه إلى المضي قدما بجهود التفاوض نحو حل سلمي شامل ونهائي· فالمباحثات الجارية في ضاحية نيفاشا الكينية حاليا، تتناول ثلاث قضايا شديدة التعقيد والحساسية، هي: المشاركة في السلطة ، و توزيع الثروة ، والوضع السياسي لثلاث مناطق متنازع عليها· إلا أنه بالنظر إلى ما أنجزته جولة المحادثات السابقة، يمكن القول إن قرنق أصبح لديه الآن على الأقل عزم على إنهاء الحرب الأهلية في السودان، وربما على إبقائه موحدا كذلك· فخلال شهر سبتمبر الماضي أجرى مفاوضات استمرت طوال 22 يوما مع النائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان محمد طه، وأسفرت عن التوقيع في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، على اتفاق يتضمن حلا لأصعب قضية وهي مسالة الترتيبات الأمنية خلال فترة انتقالية مدتها 6 سنوات· وبشهادة الرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي ظل على خصومة ممتدة وعنيفة مع قرنق ، فان الأخير بذل جهدا سمح بأن تسفر مفاوضات السلام عن حل لحوالى 90 في المئة من القضايا العالقة ·
وقد دخلت العلاقة بين العقيد جون قرنق وحكومة الخرطوم منعطفا جديدا إثر اتفاق نيفاشا الأخير، حين أجرى قرنق اتصالا هاتفيا مع الرئيس البشير لتهنئته عقب الاتفاق، وقال إن العقبة الأصعب على طريق السلام قد تمت إزالتها ، بينما أعلن البشير أن قرنق أصبح صديقا ورفيقا بعد توقيع الاتفاق الأمني ·
وعلى رغم التقلب الذي اعترى تحالفات قرنق، فكثيرا ما جاءت التحولات المحلية والإقليمية لتعزز وضعه أكثر فأكثر· فغياب أو تحول أصدقائه عن الماركسية في دول الإيجاد المجاورة للسودان، على عكس المتوقع، جاء له بدعم متزايد من حكومات هذه الدول· أما الداعم الرئيسي لـ قرنق فأصبح الولايات المتحدة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، لأسبابه أهمها سقوط نظام جعفر نميري في الخرطوم، ثم انقلاب الإنقاذ ، وسقوط الاتحاد السوفييتي· وخلال الفترة ما بين 1983 و،1987 كانت ليبيا ممولا أساسيا لـ قرنق · أما بعد الانهيار المدوي في العلاقات الثنائية بين السودان ومصر، فوجد قرنق محطة اعتماد جديدة وذات أهمية سياسية كبرى في القاهرة· وجاءت له أيضا ثورة الإنقاذ ، لأول مرة، بحليفين رئيسيين من الشمال، هما حزب الأمة والحزب الاتحادي · فأسس شراكته السياسية معهما من خلال التجمع الديمقراطي السوداني المعارض· واستفاد قرنق أيما استفادة من التجمع في تشديد الضغط السياسي على حكومة الإنقاذ ، وفي طمأنة الأطراف العربية إلى مواقفه من الوحدة القومية للسودان· أما حين حلت ساعة التتويج لسنوات من العمل المعارض، فقد فوجئت هيئة القيادة في التجمع بذهاب قرنق ، دون سابق علم أو تنسيق، إلى مفاوضات ماشاكوس مع الحكومة حول تقرير المصير وتقاسم السلطة· ويعود النفوذ الذي يتمتع به قرنق داخل التجمع، إلى عاملين أساسيين؛ أولهما كونه يمتلك قوة عسكرية يصل قوامها نحو 100 ألف رجل، وثانيهما علاقاته الوطيدة مع واشنطن ومع مجلس الكنائس العالمي·
وتعزى براعة قرنق في القيادة والمناورة، إلى عوامل ومؤثرات مختلفة شكلت شخصيته السياسية· فكونه ولد لعائلة مسيحية من قبائل الدينكا في جنوب السودان عام ،1945 أي خلال مرحلة الحكم البريطاني-المصري في السودان، عزز في وعيه الفكرة حول حاجة الأقلية دائما إلى أن تناور على تناقضات الأغلبية وخلافاتها الداخلية· وعلمته أيضا حياة الغابة في الجنوب حيث قضى طفولته ثم عاد مرة أخرى هناك وهو قائد متمرد، أن الصراع من أجل البقاء يتطلب مزيجا فعالا من القوة والذكاء· أما دراسته في أميركا حيث حصل على الدكتوراه في الاقتصاد، فتعلم منها كيف يخطط تخطيطا علميا لبلوغ أهدافه· وأكسبته خبرته كضابط في الجيش السوداني والتدريب الذي تلقاه في كليات عسكرية أميركية، قدرة فائقة على الانضباط، وعمقت معرفته بأقاليم السودان والشخصية السودانية عامة·
ويقول قرنق عن نفسه إنه يسعى إلى سودان جديد بأسس جديدة، يتمتع فيه الجميع بحقوق متكافئة، ويطالب بالخرطوم كعاصمة قومية لا تحكمها الشريعة ، وأن يتناوب الشمال والجنوب بالتساوي على رئاسة الجمهورية، وبنسبة 40 في المئة من كافة الوزارات للجنوبيين و40 في المئة من مقاعد البرلمان، و50 في المئة من مجلس الشيوخ· أما عن البترول فيقول: على رغم أنه ملك للجنوبيين، فإننا عرضنا نسبة 20 في المئة منه للحكومة، والآن ارتفعت هذه النسبة إلى 40 في المئة ·
ومع ذلك يظل ضباب كثيف يحيط شخصية قرنق وخلفيته العقائدية··· فبينما قال عنه الرئيس البشير مؤخرا، إنه وحدوي ولم يكن انفصاليا في يوم من الأيام ، ترى فاعليات شمالية أن ذلك يتنافى مع إصراره على الاستفتاء حول مصير الجنوب· أما منافسوه الجنوبيون فيقولون إنه يتحدث