في الأسابيع الهادئة والوديعة التي سبقت هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، انصب النقاش في واشنطن ووسائل الإعلام الأميركية على موضوع البحث عن شابة تدعى "شاندرا ليبفي" اختفت عن الأنظار عندما كانت تعمل كمتدربة لدى النائب في الكونجرس "جاري كونديت"، وسرعان ما تناسلت الأسئلة والتخمينات حول علاقة المشرع مع الشابة، وما إذا كان مسؤولاً عن اختفائها، والأسرار الكامنة وراء هذا الغياب غير الواضح. وتصدرت حكاية الفتاة وحياتها وسائل الإعلام لتتحول إلى قصة وطنية تحظى بتعاطف فئات واسعة من الأميركيين، ولم تُكشف ملابسات القصة إلا بعد مرور مدة على تاريخ 11 سبتمبر، وتحديداً في العام 2002 عندما عُثر على رفات الفتاة، فيما برئ النائب في الكونجرس من أي علاقة بقتلها، بعدما ألقت الشرطة القبض على مهاجر من السلفادور ثبت تورطه في الجريمة. وسرعان ما تحولت الجريمة إلى حدث ثانوي على هامش القصة الأكبر التي استبدت بعقول الأميركيين، وظلت على تلك الحال لعقد كامل من الزمن، ففي صبيحة الحادي عشر من سبتمبر تغيّر كل شيء بعد الهجمات التي استهدفت برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن، وبدا أن أميركا تتعرض لهجوم سافر لم تشهده منذ سنوات طويلة، وبات واضحاً أن الرد يفرض نفسه على الجميع، حيث انخرطت أميركا على مدى السنوات العشر التالية في حربين مكلفتين، وإلى جانبها خاضت حملة أخرى على الإرهاب لا تستثني أحداً في العالم. وخلال الأيام الأولى لحادث التفجيرات ساد شعور بالتضامن بين جميع الأميركيين، بما في ذلك الحزبان الرئيسيان في واشنطن اللذان نحيا جانباً خلافاتهما التقليدية والتفا حول الرئيس في التسويغ للحرب على أفغانستان أولاً، ثم على العراق لاحقاً. وبالإضافة إلى ذلك، وافق الكونجرس أيضاً على شن الحرب العالمية ضد الإرهاب التي أطلقتها إدارة بوش، والتي امتدت من الفلبين إلى جبال أفغانستان، مروراً بإفريقيا واليمن، بحثاً عن عناصر "القاعدة". وهكذا، وتحت شعار الحرب على الإرهاب، أُسقط حكم "طالبان" في أفغانستان بعد حملة جوية سريعة، وبعد انخراط "تحالف الشمال" الأفغاني في الجهود الغربية ضد نظام "طالبان"، ثم أُطيح بصدام حسين في حرب لم تحظَ بترخيص أممي، وأخيراً لقي بن لادن مصرعه في باكستان حيث كان يختبئ. لكن رغم هذه الإنجازات الظاهرة، تحل الذكرى العاشرة للهجمات دون أن يستشعر الأميركيون الإحساس بالنصر ورد الاعتبار الذي كان منتظراً، فالمزاج العام الطاغي في البلاد يميل أكثر نحو التشاؤم والوجوم بسبب الأزمة المالية الخانقة الجاثمة على صدور الأميركيين منذ مدة، وتراجع الأمل في تعافي الاقتصاد الأميركي في ظل الحديث عن ركود مزدوج، لاسيما إذا عجزت دول الاتحاد الأوروبي عن منع تمدد أزمة الديون إلى بلدان أعضاء أخرى عدا اليونان. وفي ظل هذا السياق غير المريح، لم يكن أداء الحزبين الرئيسيين مناسباً، حيث غلبا الخلافات والصراعات السياسية على المصلحة العليا للوطن، وراح كل من الديمقراطيين والجمهوريين يتسابقون على تسجيل النقاط السياسية قبل الانتخابات الرئاسية، فيما وصلت البطالة إلى مستويات قياسية. وقد انعكست الخلافات بين الحزبين على موقف الرأي العام الغاضب من التجاذبات السياسية في واشنطن، حيث تهاوت شعبية أوباما بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية إلى 30 في المئة، وهي نسبة ضعيفة بكل المقاييس، وعزاؤه الوحيد ربما أن الكونجرس ليس أفضل حالاً منه بعد انحدار شعبيته في نظر الأميركيين إلى ما دون 6 في المئة حسب استطلاعات الرأي. ومع أن أميركا في هذه المرحلة تريد الانعزال عن العالم والاهتمام أكثر بشؤونها الداخلية من خلال الانكباب على إعادة البناء الداخلي، إلا أنها تبقى منخرطة في حربين لم تنتهيا كما كان مأمولاً في أفغانستان والعراق، مع استمرار تساقط الجنود الأميركيين. بل أكثر من ذلك تفرض المستجدات العالمية انخراطاً أميركياً متواصلاً في قضايا العالم، خاصة ما يشهده الشرق الأوسط من اضطرابات أحدثتها الحركات الاحتجاجية التي قلبت الأنظمة وغيرت السياسات. لكن الأميركيين، ورغم هذه المشاغل، يفضلون الانكفاء على أنفسهم، ويتوقون لوقت تنتقل فيه المسؤوليات الملقاة على عاتقهم إلى دول أخرى عدا الولايات المتحدة حتى تتفرغ الأخيرة لمعالجة مشكلاتها وبناء مدارسها وطرقها، وهو ما يفسر حالة التردد التي واجه بها الرأي العام الأميركي الحرب في ليبيا، حيث يعتقد معظم الأميركيين أن تلك الحرب مسؤولية أوروبية وليست أميركية. ويضاف إلى هذه الإشكالات، سؤالٌ جوهريٌ يشغل بال المحللين حول ما إذا كانت أميركا بصدد فقدان قوتها ونفوذها في العالم لصالح قوى أخرى صاعدة، وما إذا كان القرن الحادي والعشرون هو "قرن آسيا بامتياز"، وذلك بالنظر إلى البروز الصارخ للصين، وما إذا كانت الصين اليوم تشبه ما كانت عليه ألمانيا الإمبريالية في القرن التاسع عشر باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية متنامية تمثل تحدياً كبيراً للنظام العالمي القائم، وكونها ستتمدد لا محالة على غيرها، أم أنها مجرد بلد صاعد يتعين على الولايات المتحدة التعاون معه؟ الحقيقة أن المتفائلين يستبعدون الصراع، لأن بلدان العالم تقتسم المصلحة نفسها في محاربة الإرهاب واستتباب الأمن والاستقرار وحماية المناطق الاستراتيجية ذات الموارد الحيوية مثل الشرق الأوسط، لكن ما يجري حالياً في العالم من انبعاث القوميات في آسيا، والنزوع الانعزالي لأميركا، والارتباك الأوروبي حيال الأزمة الاقتصادية... لا يبعث على الثقة في المستقبل. وفيما يستحضر الأميركيون الذكرى العاشرة لهجمات 11 سبتمبر التي أزهقت آلاف الأرواح وأدخلت بلادهم في أتون الحروب والمغامرات العسكرية، يبقى العزاء الوحيد أمامهم، في ظل الحصيلة المتواضعة، هو عدم تعرض بلادهم لأي هجوم إرهابي آخر، وهو على الأقل ما يستحق الثناء.