لا تخلو البرامج الانتخابية من خدع وحيل، إذ أن مصمميها لا يضعون هدفاً أمامهم سوى اصطياد الناخب، وهذا الهدف لا تنازل عنه حتى لو انطوت البرامج على بعض صدق، وهو صدق قد يكون جزءاً لا يتجزأ من خطة الخداع. وليس معنى هذا أن المرشحين أشرار بطبعهم، ولكن كلاً منهم يضع في حسبانه أنه لا سبيل أمامه سوى التعامل مع الناخب بوصفه مستهلكاً يبحث عن سلعة معينة، ومن ثم فإن لفت انتباهه ومداعبة خياله وإيقاظ غرائزه ومخاطبة عقله ودغدغة مشاعره، هي ما يجب أن تقوم عليه عملية الدعاية التي تجعله يتخير تلك السلعة، أو يلتقطها من بين سلع أخرى منافسة ومزاحمة. وغالباً ما يستعين المرشحون بأشخاص مهرة في إعداد برامجهم الانتخابية، وهؤلاء لا يتوقفون طويلاً أمام أي أكاذيب يكتبونها على الورق، فكل منهم يدرك أنه إن لم يجمِّل ما يطرحه فإن منافسه سيفعل ذلك. ولهذا يقول كثيرون إن الانتخابات لا تأتي بالأفضل في أغلب الأحوال. ويختلف مضمون البرامج الانتخابية بالطبع من انتخابات إلى أخرى، فالذي يعده مرشح للمجلس الشعبي المحلي يختلف عن ذلك الذي يضعه المرشح للبرلمان، وكلاهما يختلف إلى حد بعيد عن ذلك الذي يعرضه مرشح لرئاسة الجمهورية. فلكل مقام مقال. ولكن السمات العامة والخطوط العريضة لهذه البرامج، أو بمعنى أدق، الأساليب والقيم التي تنطوي عليها، متشابهة إن لم تكن متطابقة. وقراءة أي من هذه البرامج، توطئة لاختيار الشخص الذي يمثل الشعب أو يتولى المسؤولية، يتطلب شروطاً معينة في مطلعها أن يكون الناخب على درجة من الوعي السياسي تؤهله لأن يميز الحقيقي من المزيف، والقابل للتطبيق والتحقق وذلك الذي ليس بوسع المرشح أن يفعله أو يرتقيه. ومن الأفضل أن يكون الناخب على معرفة بالمرشحين، وإن لم يكن كذلك في بداية الحملة الانتخابية فعليه أن يعتني بجمع معلومات خاصة عن المرشح، لاسيما في الانتخابات المحلية والتشريعية، وأن يستقيها من مصادر موثوق بها، ويدققها بعناية، عبر طرق عديدة من صنعه، تحصنه حيال الشائعات المغرضة، لاسيما تلك التي يطلقها المرشحون ضد بعضهم بعضاً، حين تشتد المنافسة بينهم، أو تتحول إلى صراع ضروس لحيازة مقعد الدائرة الانتخابية. وهنا يكون على الناخب أن يعي جيداً ما يأتيه من أخبار عن المرشحين، وأن يمتثل لما قاله الله سبحانه وتعالى في محكم آياته: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ". وبناء على ما تقدم، يصبح السؤال في هذا المقام هو: كيف يمكن قراءة برنامج انتخابي لأي من المرشحين؟... ابتداء فإن هذه المسألة غاية في الأهمية، لأنها تعمل تدريجيّاً على دفع الناس للتصويت على أساس سياسي، وليس على أسس عشائرية أو مذهبية أو عبر الاستلاب أمام سطوة المال السياسي. كما أن هذه العملية مقدمة لمساعدة الناس على بناء ثقافة سياسية تعزز الخيار الحزبي، لأن تعود الناخب على قراءة البرامج الانتخابية، وامتلاكه مهارة التمييز بين الجيد والرديء منها، يعلمه تباعاً أن الأحزاب السياسية هي المؤسسات الحقيقية والطبيعية لممارسة السياسة. وحتى تمكن قراءة برنامج انتخابي قراءة جيدة وجادة ينبغي اتباع الخطوات التالية: 1- استهجان البرامج التي تعتمد على الإنشائية، واستعمال البلاغة اللغوية، دون تقديم ما يخاطب العقل، ويحترم ذهن الناخب ويقدر إرادته المنفردة. 2 - استهجان البرامج التي تصرخ بوعود مبالغ فيها لا يتمكن المرشح من تحقيقها. 3 - إعادة النظر في البرامج التي تقتصر على تقديم الخدمات، والتي يطرح المرشح من خلالها نفسه على أنه مجرد "موظف تسهيلات". 4 - عدم الاستلاب أمام البرامج التي يتاجر صاحبها بالدين، من خلال توظيف آيات قرآنية كريمة أو أحاديث نبوية شريفة، وهو أبعد ما يكون في سلوكه العملي وتصرفاته المعهودة عن هذه الآيات أو تلك الأحاديث. 5 - مطابقة ما في البرامج من وعود بما تحتاجه الدائرة فعلًا من خدمات، وذلك في حالة ما إذا كان الناخب لا تعنيه القضايا العامة، ويفضل أن يمنح صوته لمن يحقق له مصالحه المباشرة. وهذا التوجه على سلبيته، إلا أنه وللأسف، يحكم انحيازات وتوجهات أغلب الناخبين، ويحتاج إلى وقت حتى يتلاشى تدريجيّاً، ليصبح معيار الاختيار هو الصالح العام، الذي يتجسد في حال الانتخابات المحلية والبرلمانية في اختيار النائب المؤهل للقيام بالدور الطبيعي والحقيقي لهذه المؤسسات وهو الرقابة على أداء الحكومة، وسن التشريعات التي تخدم المجتمع والدولة. 6- محاولة تجنب الاستلاب حيال المسائل الشكلية، كأن يرتاح البعض لبرنامج مطبوع على ورق فاخر أو مكتوب بطريقة منسقة ولافتة، فالأفضل هو التركيز على المضمون، واعتباره هو الفيصل في الاختيار وليس الشكل أبداً. 7- مطابقة ما يرد في البرنامج مع تجربة وخبرة المرشح السابقة، للوقوف على مدى اتساق القول بالفعل. وفي حال المرشح للمرة الأولى تكون هذه المطابقة على سمعته وتجربته في المجال الذي يعمل فيه، سواء كان موظفاً أم رجل أعمال أو فلاحاً أو عاملاً أو غيره. 8- عدم الاقتصار على برنامج واحد من بين المعروض في السوق السياسية أو الانتخابية، إنما الحرص على جمع كل البرامج أو أغلبها ثم المفاضلة بينها. 9- في حال ما إذا كان البرنامج المطروح لحزب من الأحزاب ينبغي الأخذ في الاعتبار التاريخ السياسي لهذا الحزب وأداء نوابه في المجالس التشريعية السابقة، وكذلك المواقف التي اتخذها الحزب. 10- من الضروري أن يحاول الناخب أن يتخلى عن أهوائه الذاتية وهو يفاضل بين البرامج، وأن يكون انحيازه للصالح العام بقدر الإمكان، وأن يتمثل في هذا الآية الكريمة التي تعبر خير تعبير عن هذا الأمر، والتي يقول فيها الله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".