يعرف العديد من الدول العربية مخاضاً عسيراً بعد الاحتجاجات العارمة التي أسقطت العديد من رموز السلطوية السياسية في عالمنا العربي؛ والعديد من تلك الدول (كتونس ومصر) دخلت في حقبة بناء مؤسسات سياسية جديدة انطلاقاً من دساتير جديدة، كما أن دولًا أخرى كالمغرب قوّت الميثاق التعاقدي الذي يجمع بين الملكية والمجتمع السياسي والمدني بتصور دستور من الجيل الرابع، يحكم قواعد الديمقراطية ويغني البلاد والعباد عن ويلات الفوضى والشتات، وقد فهمت شعوب الدول العربية أن الاستبداد في القرن الحادي والعشرين لم يعد صالحاً، كما فهم الزعماء أن سورة الغلب والإذعان والوحشية لم تعد كافية لحمل سرير الملك وجدع أنوف أطياف المجتمع ممن أبعدوا عن السياسة والمجتمع، وكبحوا عن المشاركة في ظل عز الدول التي ينتمون إليها. فلما استولت عليهم الأيام وأباد خضراءهم الهرم، وأكل الدهر عليهم وشرب بما أرهف الظلم من مبادئهم واشتفت غريزة السلطوية من حكمهم، ثار عليهم الأولون واستولوا على الأمر. إن كل التجارب الديمقراطية التي مر منها العديد من الأمصار كانت مريرة وصعبة، وبإمكان أي متتبع لمسارات الانتقالات الديمقراطية في دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية أن يعي ذلك جيداً، ولكن المحور الذي يدور عليه مدار النجاح أو الفشل هو عامل الثقة الذي يغرسه حاملو لواء التغيير في المجتمع، فإذا كثر الشك ونمت بذوره، عمت الفوضى وفقدت الفضائل السياسية من المجتمع جملة واحدة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يصبح استحكام قواعد الديمقراطية أمراً صعباً بل مستحيلًا، ولنا في تجربة العراق أبلغ مثال نتبين منه كيف أن انعدام الثقة بين أطياف المجتمع الواحد أدى إلى تفكيك الدولة العراقية، وتحطيم قواعدها الفكرية والمادية، وإزالة عناصر القوة والتوحد، واهتراء النسيج الداخلي الماسك لمقومات الأمن والاستقرار، وتنفيذ القوانين والعدالة، وضياع وقت كبير في بناء المؤسسات واستتباب الأمن. وعند بناء المؤسسات الجديدة يكون الأمل معقوداً على الأحزاب الديمقراطية بعد أن كانت مكبوحة عن السياسة أحقاباً كما هو الحال في تونس؛ والأحزاب الديمقراطية هي تلك الكيانات التي تعمل في شفافية ونزاهة، وتقوم في بنائها التنظيمي وهيكلتها على الديمقراطية لتكون حاضرة في قيمها وسلوكها اليومي، ويتناغم نشاطها مع القانون، وتحكم آليات النقد الجاد عن طريق قيادات حزبية واعية ومنتخبة، وتستسيغ تناوب السلطات في كل الأجهزة الحزبية بمقتضى مبدإ الاستخلاف والتغيير اللذين جعلهما الله سنة من سنن الكون، وبعيداً عن العقلية الكليانية والشمولية والتآمرية. ومهمة الحزب الأولى هي تمثيل الناس وحمل مطالبهم المجتمعية إلى المستوى السياسي، للدفاع عنها وبلورة حلول جذرية في إطار تنافسية بين الأحزاب، إذا وصل أحدها إلى الحكم، وبقيت الأخرى مرجوة لأمر صناديق الاقتراع إما أن يكافئها الناخبون أو يبقونها في صف المعارضة. وفي الدول الديمقراطية تكون عضوية الحزب هي مصدر الحقوق ومناط الواجبات، فالعضوية هي التي تجعل الفرد يشارك بنفسه في الشأن العام ممارسة وتمثيلاً ونقداً؛ صحيح أن الأحزاب تكون في الدول السلطوية صورية وبدون جدوى؛ ولكن بعد زوال عوامل الاستبداد، تكون الأحزاب هي الدواء الأول والأخير للمجتمع؛ وبما أن الشباب والنساء استطاعوا أن يخرجوا إلى الساحات والشوارع ويواجهوا أقوى أجهزة القمع والطغيان، فباستطاعتهم أن يقصدوا مقرات الأحزاب السياسية، ويطلبوا بطاقة العضوية ويشاركوا في الاجتماعات الحزبية، بل وأن يرشحوا أنفسهم داخل أجهزة الحزب القيادية، وهذه هي الطريقة الوحيدة لجعل الديمقراطية الحقيقية تأخذ مسارها، وعلى الجميع أن يهب للمشاركة في التصويت والانتخاب؛ وعند الوصول إلى هذه المرحلة، ينبغي للفاعلين في العملية السياسية حسن الظن بالمؤسسات والأفراد، وتجذير بناء الثقة، وطي صفحة الماضي، لأن غرس الشك المستمر في أذهان الناس وعوامهم يورث الريبة والسخط، ويخلق علامات الفتور والتوتر، ويجعل الناس لا يصدقون ممثليهم، ويحصل في النفوس من التكاسل ما لا يمكن وصفه فيقصر الأمل؛ وقد سمعنا مثلاً في بعض الدول العربية أحزاباً تقول إنها إذا لم تحصل على الرتبة الأولى في الانتخابات فإنها ستكون مزورة، وإذا لم تسند إليها الوزارة الأولى فإن النظام لم يتغير! وهذه أمور تنافي أبسط القواعد الديمقراطية، وتخالف المعقول والمنقول في أدبيات العلوم السياسية، وإذا ذهب الأمل بالتشكيك والترهيب، فإن الناس سيعتزلون السياسة وسينصرفون عن المشاركة وسيصبحون مغلبين لكل متغلب، وطُعمة لكل آكل، وسواء في ذلك حصلوا على غايتهم من التغيير أم لم يحصلوا. إذا هبت رياح التغيير في دولة من الدول، فعلى الجميع أن يعمل في إطار الدولة والمؤسسات، ولكن بعقلية جديدة وبأفكار ديمقراطية جريئة للمحافظة على القشرة الحامية والمحافظة على معنى الدولة؛ إذ لا يتصور الانطلاق من الصفر، فلما قامت القوات الأميركية بحل القوات البوليسية والعسكرية في العراق بعد سقوط نظام صدام تفككت الدولة العراقية بين عشية وضحاها. إن بناء الثقة مبدأ سامٍ في بناء الدولة والمؤسسات، فبدونه يمكنك أن تكبر أربعاً على وفاة الدولة؛ وعجباً أن بعض الأحزاب الإسلامية في أوطاننا العربية هي التي تحاول في هذه الظرفية الصعبة زرع بذور الشكوك عن المؤسسات والأفراد، وعجباً أنها تناست ما ورد في الأثر: "خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: سوء الظن بالله وسوء الظن بعباد الله".