على عكس الحَدَثين التونسي والمصري، واللذين لاقى سقوط الرئيس فيهما ترحيباً عاماً؛ فإنّ الحدث الليبيَّ -فضلاً عن عدم اكتماله- ما يزال يثير ردود فعلٍ متنوعةٍ ومختلفة. فالأثَر الأولُ لسقوط طرابلس بأيدي الثوار، وهروب القذافي وأَولاده، كان أنها الواقعةُ الثالثةُ التي يُزالُ فيها نظام الحكم ضمن منظومة الجمهوريات الوراثية الخالدة، وبالتالي فإنّ الأمل ينفتح على إمكان زوال رؤساء آخرين. ذلك أنّ كثيرين اعتبروا أنّ ثبات القذافي لسبعة أشهُرٍ في وجه الأطلسي والثوار الليبيين، أعاد بعث الأمل لدى "صالح" و"الأسد"؛ بأنّ نظاميهما يمكن أن ينجوا رغم كلّ شيء، إذا ثبتا كما ثبت القذافي! فهذا "الثبات" في نظر أهل النظامين، إنما كشف دور "المؤامرة" الخارجية فيما صار يُعرفُ بالربيع العربي. إنّ تدخُّل الأطلسي أظهر بما لا يدعُ مجالاً للشكّ، أنّ هذا الربيع ما كان ليأتي استناداً إلى استبداد الأنظمة وحسْب؛ بل إنما أتى بتدخُّل استعماريٍّ مثل التدخل الأميركي بالعراق عام 2003. والواضح من هذه المطالعة السابقة، أنّ الفريقين عربيان، أو أنهما الفريق المُعارض، والآخر المُوالي للأنظمة القائمة. لكنّ النقاش أو الصراع بشأن ما حدث في ليبيا والبلدان العربية الأُخرى، لا يقتصر على الفريقين أو الفُرقاء الداخليين. بل إنّ سقوط نظام القذافي صنع مشكلاتٍ بالنسبة للمشاركين في إسقاطه بالقوة من جانب الأطلسيين، كما صنع مشكلاتٍ لدى الفرقاء الليبيين الذين تعاونوا مع فرقاء الأطلسي في إسقاط نظامهم. إذ بسبب السقوط الفوضوي للنظام في مرحلة العاصمة طرابلس، مكَّن الثوار والإعلام من الدخول إلى مركز المخابرات الليبية، حيث غُنمت وثائق تنطق بتعاوُنٍ وثيقٍ بين نظام القذافي والأجهزة الاستخبارية للولايات المتحدة وبريطانيا وربما فرنسا وإيطاليا. وقد بدأ هذا التعاوُن عام 2004 حين سلّم الأميركيون الأصوليَّ بلحاج قائد "الجماعة الليبية المقاتلة" إلى أجهزة القذافي. واستمر التعاون من جانب الأجهزة الأميركية على الأقلّ، إلى ما قبل سقوط نظام العقيد بأسابيع قليلة. أما التعاوُن بين نظام القذافي والغربيين بعد العام 2004 فكان معروفاً، ويشمل: التعاون في تفكيك البرنامج النووي الليبي، والتعاون في إنهاء آثار لوكربي وشقيقاتها، والتعاوُن في مكافحة الإرهاب، والتعاوُن في إجراء صفقات مالية وإعمارية وتجارية وتسليحية هائلة. أمّا المفاجئ فهو استمرار هذا التعاوُن بعد نشوب الثورة، وقراري مجلس الأمن والأطلسي بالتدخُّل لحماية المدنيين الليبيين من بطش نظامهم. وإذا كان صحيحاً أن قرار إسقاط القذافي اتُّخذ خلال أُسبوعٍ أو أُسبوعين، فلماذا إذن يتعاون الأطلسيون وحلفاؤهم مع مخابرات القذافي وأجهزته نصحاً وإرشاداً وأحياناً مساعدةً من أجل البقاء؟! لماذا هذا الموقف المزدوج؟ وما أُصولُهُ وخلفياتُه؟ وكيف يعلِّلُ الغربيون ذلك؟ هل كان الغربيون يظنون أنّ القذافي صامد وبالتالي فقد أرادوا اتخاذ خطّ رجعةٍ إن لم تنجح حملتُهُم؟ أم أنّ هذه اللغة المزدوجة هي جزءٌ من التداخُل بين السياسي والأمني حتى في الدول الديمقراطية؟ ثم إنّ الذين كان يجري التعاوُنُ بشأنهم في ملفّ "الإرهاب" قد صاروا الآن من قادة الثوار بليبيا، فما هو موقفُ الغربيين من المسألة، بل وما هو موقف هؤلاء الثوار والأصوليين أنفسهم من القوى الغربية التي حضرت بقواها العسكرية، وهي تحضر الآن بقواها السياسية من أجل الإعانة في بناء الدولة الديمقراطية الجديدة؟ كنا قد سمعنا قبل أشهرٍ شكاوى رفعها الجزائريون واستجاب لها الأميركيون، وتذهب إلى أنّ عناصر في "القاعدة" تشارك في الثورة الليبية، وعناصر أخرى تشتري السلاح من السوق الليبية الجديدة وتعود به إلى الصحراء لشنّ هجماتٍ جديدة. وبدون إعلانٍ كثير؛ فإنّ الجزائريين استمروا في التعاوُن مع نظام القذافي بهذا القدر أو ذاك، بينما انكفأ الأميركيون، وتركوا الإنجليز والفرنسيين في الواجهة. وقد تبين الآن أنّ الدبلوماسية الأميركية والاستخبارات، ظلّت تتشاور مع أجهزة القذافي، وليس في مكافحة الإرهاب، بل في طرائق الخروج من المأزق هناك، أما البريطانيون فكانوا يفعلون الأمرين في الوقت نفسه: يقاتلون مع قوات الأطلسي، ويتخابرون مع أجهزة القذافي فيما ينبغي عملُهُ للخروج بحلٍّ سياسي. وهكذا فالذي يبدو أنه من بين الجميع؛ فإنّ الفرنسيين وحدهم هم الذين قطعوا العلائق كلَّها مع نظام القذافي عندما قرروا المشاركة في قوات الأطلسي لحماية المدنيين الليبيين. والواضح أنّ الجميع فوجئوا بانكشاف الوثائق التي ربما تكون قوات القذافي قد تركتها لهذا الغرض بالذات: أي كشف الازدواجية الغربية. وما حرَّك الأميركيون ساكناً حتى الآن، أمّا رئيس الوزراء البريطاني فشكّل لجنة تحقيق، بينما انصرف عبد الحكيم بلحاج قائد الثوار بطرابلس، إلى مطالبة الغربيين (الأميركيين بالتحديد) بالاعتذار عن تعذيبهم له سابقاً، ثم تسليمه للنظام الليبي حيث مكث في السجن سبع سنواتٍ، وخرج باتفاق مع سيف الإسلام القذافي على التوبة والمصالحة. والذي يبدو الآن أنه قد تاب بالفعل، إذ رغم مشاركته في القتال؛ فإنه يدعو للمُسالمة وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية. فالغربيون يريدون طيَّ الملفّ وكذلك المجلس الوطني الانتقالي وحتى عبد الحكيم بلحاج. لكنْ يبقى السؤال: لماذا انقلب الغربيون على القذافي رغم تلبيته لكلّ مطالبهم؟ وما دلالةُ ما يحدث على تحركاتهم الأُخرى في دول الثوران العربي؟ صحيحٌ أنّ البترول الليبي ومصائره شكَّل أَولويةً في الموقف من ليبيا، لكنْ سوريا موقعٌ استراتيجيٌّ رغم قلة البترول فيها، فهي على حدود العراق وفلسطين ولبنان، وهي التي كانت تتولى "التعهدات" للتحالُف الغربي منذ مدة. أمّا اليمن، فقد تعاون الغربيون مع نظامه من قبل ضد "القاعدة". لكنّ "القاعدة" تتمركز منذ مدة بحضرموت وجوارها، وقد احتلّت مدينة زنجبار وتتواجه مع قوات النظام هناك، والتي تتواجهُ بدورها مع الثوار في تعز ومُدُنٍ يمنيةٍ أُخرى. وليس هناك إلحاحٌ ملحوظٌ من جانب سائر الأطراف خارج اليمن على إزالة "صالح"، يُشبه ذاك الذي حدث في ليبيا، بل وفي تونس ومصر: فما هي اعتباراتُ الدول الغربية وبعض دول الخليج للتمسُّك بـ"صالح" أو مُسايرته على الأقل؟! هل هو الخوفُ من "القاعدة"؟ أم الخوف من عودة اليمن للانقسام على قاعدة شمال -جنوب، أو زيدي -شافعي؟! وما نزال في الدرس الليبي وآثاره. فإلى جانب الحديث عن أُصولية ليبيا بعد القذافي، كان هناك حديثٌ عن تشرذُم ليبيا بسبب الطابع القَبَلي لمجتمعها. والذي نعرفُهُ الآن أنّ الأصولية ما عادت خطراً في نظر الغربيين والليبيين، لكنّ حديث الانقسام يزداد. فهناك مدنٌ قَبَليةٌ ما تزال مستعصية على المجلس الوطني الانتقالي ومُشايعيه. وأهمية "ممانعتها" أنها تضم مجموعات قَبَلية كبيرة، والأيام القليلة القادمة مُفيدةٌ في تتبُّع مدى تحقُّق هذه المخاوف. على أنّّ الخطر الليبيَّ المزعوم إذا كان فهو ضعيفٌ لأنّ أحداً ما تولاّه أو قال به: فما الموقفُ من سوريا واليمن، حيث هناك أطراف في اليمن تريد الانفصال أو الفيدرالية! وقد طلع علينا البطرك الماروني من باريس، متحدثاً عن الخطر على الأقليات، كما تحدث عن خِطط لتقسيم البلاد العربية! ولستُ أدري لماذا ينقسم بلدٌ إذا أراد شعبه تحقيق مبدأ تداوُل السلطة، ثم مَنْ هو الذي يريد الانقسام الآن في سوريا، وكيف يحدث ذلك رغم أنّ الشعب السوري المُصرّ على تغيير نظامه، لا يفكّر بالطبع في تقسيم بلاده؟! يبقى أنَّ الحدث الليبيَّ هو يومٌ له ما بعده.