شهدت "النجف" في قرابة العقدين اللذين سبقا ثورة 14 يوليو 1958 العراقية، ولادة ثلاث صحف جديدة واثنتي عشرة مجلة. فقد أصدر "جعفر أسد الخليلي" جريدة "الهاتف" في مايو 1935، والتي كانت تصدر أسبوعياً يوم الجمعة. وقد حرص "الخليلي" على كتابة افتتاحية الجريدة بنفسه، غير أن بعض المثقفين العرب ساهموا كذلك في هذه الافتتاحيات ومنهم حسين مروة (1903 - 1968) وتوفيق الفكيكي (1903 - 1969) ومحمد حسين كاشف الغطاء (1876 - 1954)، شيخ الدين المعروف، الذي كان له تأثير فعّال في التيار الإصلاحي والدعوة إلى إطلاق الحريات وتوحيد المسلمين وله 90 مؤلفاً، لعل أشهرها كتاب "أصل الشيعة وأصولها". وقد أولت الجريدة عناية خاصة بأدب القصة، حيث انفردت بإصدار عدد ممتاز في بداية كل سنة من أجل إنعاش أدب القصة في العراق. ووجهت لبعض الكتاب والأدباء ثلاثة أسئلة كانت الجريدة تنشر إجاباتهم عليها بانتظام. وكانت الأسئلة: أصحيح أن مستوى الأدب العراقي متأخر بالنسبة لمستوى نهضته الاجتماعية؟ ما أسباب تأخر الحركة الأدبية وضعف الإنتاج الأدبي عندنا؟ ما الوسائل الفعّالة التي ترونها لرفع شأن الأدب العراقي؟ وهكذا أفسحت جريدة الهاتف مجالاً فريداً في ثورة المدينة المكرسة للدراسة الدينية، لتداول القضايا والمدارس الأدبية، وازدهار تلاقح المواهب الفكرية والأدبية، والاتصال بالثقافة العربية عموماً. وقد عانى صاحب الجريدة الكثير في مسعاه هذا، واعترضته أزمات سياسية واقتصادية اضطرته إلى بيع مكتبته الضخمة من أجل دعم الجريدة واستمرارها. (الصحافة النجفية، د. محمد النويني، ص 76). وكانت الصحيفة الثانية صحيفة "الحضارة"، التي أصدرها محمد حسين الصوري (1905 - 1998) عام 1937. ويصف المؤرخ العراقي "مير بصري" الصوري بأنه "من الذين خلعوا عمائمهم وارتدوا الملابس الحديثة". وقد انتقل إلى بغداد ثم برلين وتوفي هناك. وقد تأثرت الصحيفة بما شهدته سنوات الحرب العالمية الثانية من شحة بالورق وارتفاع أثمانه، وحدد صاحب الصحيفة قيمة اشتراكها السنوي بنصف دينار في النجف الأشرف وخارجه. "وحرصت صحيفة الحضارة على إيصال أعدادها إلى المشتركين فيها من القراء وغيرهم ممن تصلهم الصحيفة من دون اشتراك، فإن تقبلوها عُدّوا مشتركين"! بل إن ترويسة الصحيفة جاء فيها "من قبل عددين عُدّ مشتركاً". وكانت الإدارة ترسل أعداداً من المطبوع إلى شخصيات معروفة، و"إن تقبلت هذا المطبوع لعددين متتاليين عُد مشتركاً، وتُـجبى منه قيمة الاشتراك فيكون ملزماً بدفعها، وإن لم يقبل المطبوع يكتب عليه مرفوض ويعاد بالبريد". ومن مواقف الصحيفة المعروفة معارضة انتفاضة مارس 1941 بقيادة "رشيد عالي الكيلاني"، المدعومة من قبل ألمانيا النازية ضد الإنجليز في العراق، والتي فشلت وهرب أثرها الكيلاني من البلاد ولم يعد إلا بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، وقد تباينت مواقف الصحف والمجلات من هذه الحركة بين مؤيدة ومعارضة. ومن صحف النجف "جريدة الحوزة"، التي صدر عددها الأول عام 1957، لصاحبها "رياض حمزة شير علي، وكانت دينية أسبوعية. وقد اعترض على صدورها وزير الداخلية آنذاك "سامي فتاح"، واعتبرها غير قانونية فسُحبت من الأسواق. أما مجلات النجف خلال هذه الفترة فكانت أكثر عدداً كما ذكرنا. ففي فبراير 1933 أصدر "محمد علي البلاغي" مجلة "الاعتدال" الشهرية، وتبحث في العلم والأدب والاجتماع والتاريخ، وتوقفت عن الصدور عام 1948. وأصدر محمد رضا الحساني "القادسية" عام 1938 في الكوفة وكانت ذات توجه إسلامي، وزخرت بالعديد من المقالات الأدبية والاجتماعية. وكانت مجلة "الغري" من مجلات هذه المرحلة حيث صدرت عام 1939 واستمرت 18 سنة، وكذلك مجلة "المثل العليا" الأسبوعية، لصاحبها ورئيس تحريرها "كاظم الكيشوان" 1941، و"مجلة العدل الإسلامية، الأسبوعية، و"البيان" عام 1946 لصاحبها "علي الخاقاني" (1909 - 1979)، وهو باحث معروف عرف بأبحاثه الموسوعية عن شعراء المدن في العراق، وله تحقيقات كثيرة في المخطوطات. وقد جاء في "أعلام الأدب في العراق الحديث "للمؤرخ "مير بصري". أن الخاقاني شبّ في بيئة فقيرة، وكان أبوه الشيخ عبد علي يعتاش من نسخ المخطوطات، فورَّث الابن عنه هذه المهنة ومارسها. كما استفاد من المجاميع المخطوطة، خصوصاً مجاميع آل كاشف الغطاء، فحول بعضها إلى مادة كتابية عن الغريّ والحلة. ويضيف القزويني أن شخصية الخاقاني "تمثل الفرد النجفي المتمرد الذي عاش تناقض البيئة وسجل في كتبه، وقد بقي على تمرده حتى نهاية عمره". وتوجه للخاقاني اتهامات بالسرقة الأدبية، وهناك من أحصى سقطاته وتجاوزاته، ويقال إنه استعار مخطوطة "البابليات" قبل طبعها، ونقل عنها تراجم طائفة من الشعراء بدأ بنشرها "كما لو كان هو جامعها ومحققها والعاثر عليها في الخبايا والزوايا" (ج 3، ص 118 - 119). ومن مجلات النجف مجلة "الدليل"، 1946، لصاحبها موسى الأسدي التي لم تستمر حتى عامين، و"الشعاع" الأسبوعية، 1948 والتي لم تدم كذلك طويلاً، و"العقيدة"، التي صدرت في العام نفسه، و"البذرة"، و"النجف" الأسبوعية لصاحبها هادي فياض، والتي بدأ صدورها في نوفمبر 1956، و"النشاط الثقافي"، التي تولى تحريرها عبدالغني الخضري، حيث صدرت في نوفمبر 1957. اهتمت الصحافة النجفية بالعديد من القضايا الأخلاقية والاجتماعية والتربوية وقضايا المرأة. وقد سلطت بعضها الأضواء على قضايا غسل العار والتعجل فيها حيث "قُتلت الفتاة من قبل أخيها لارتكابها جرماً مخلاً بالشرف وبعد وفاتها أجريت الفحوصات عليها فظهر أن الفتاة لم يُعتد عليها، فقتلها كان بسبب وشاية". وحاولت جريدة أخرى إثارة قضية إهمال تربية المرأة. ومن الغريب أن الصحافة النجفية هاجمت ظاهرة تحديد النسل التي شاعت في الكثير من الأسر العراقية ولا سيما المثقفة منها، وعدت ذلك "وأداً اجتماعياً" لا يختلف عن الوأد الذي كان سائداً في زمن الجاهلية. ووازنت جريدة "الهاتف" بين أثر المرأة في الأدب العربي والأدب الغربي. ويمضي الكاتب في سرد الحقائق التاريخية لماضي العرب ليدرك "أن العراقيين إذا أرادوا التقدم عليهم أن يعيدوا للمرأة مكانتها بمزاولة الأدب في الشعر والقصة والفلسفة"، كما قال الأستاذ صفاء خلوصي في مقال بعنوان "المرأة في الأدب العالمي". وناشدت مجلة "البيان" الكاتبات الأديبات "ولا سيما المعلمات في المدارس العالية والابتدائية الذين يشعرون بتأخر المرأة وضرورة تعليمها وتثقيفها، لنشر كافة الموضوعات التي ترفد المجلة". (الصحافة النجفية، ص 192). وطالبت إحدى الكاتبات، "أن تنال المرأة قسطاً من الحرية الاجتماعية التي تعيد للمرأة مكانتها". وعبرت ثانية عن تمنياتها في "أن تحدث في العراق نهضة نسائية جبارة تقوم بأعباء ما يلقى عليها من المهام تجاه الوطن". وعددت السيدة سعاد السيد عبدالمهدي أهم "الواجبات المفروضة" على المرأة. فقالت إن على المرأة المهذبة "أن لا تغتر بمظاهر الغرب وأن تتبرج كتبرجهن"، وعليها "أن تتقيد بقيود الحشمة والآداب ولا تخرج عن تقاليد الشريعة والمجتمع" وأن تقتدي بالعربيات اللواتي خلدهن التاريخ وأن "تكافح ما أفسدته التيارات الأجنبية والمبادئ الهدامة". وعندما كتبت إحداهن تحت اسم مستعار، ووجهت نقداً لاذعاً إلى التيار المحافظ ورجال الحكومة في البلاد العربية بأنهم أهملوا حقوق المرأة وأهمها حقوق المساواة مع الرجل، نشر "شامل الحاج داود"، وهو أحد المحافظين رداً قوياً وازن فيه بين المرأة الغربية، التي طالبت بحقوقها العمرانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والمرأة الشرقية التي لم تحسن حتى إدارة الشؤون المنزلية - وفق تعبيره. وأخيراً وصف المساواة مع الرجل بأنها "مظهر من مظاهر الترجل". وقد نشرت مجلة "العقيدة" مقابلة مع الصحافية المصرية المعروفة "أمينة السعيد" أثناء وجود كاتب المقال محسن جمال الدين في لبنان. وكان من رأي السيدة أمينة السعيد "أن من الواجب دخول المرأة معترك السياسة"، وطالبت بإعادة النظر في مواضيع عديدة تخص شؤون المرأة كتعدد الزوجات والطلاق بما يتماشى مع المدنية الحاضرة، وأشارت في حديثها إلى تمتع المرأة المصرية بحقوقها أكثر من باقي البلدان العربية. وردت عليها مجلة "البيان" مؤكدة "أن على كل من الرجل والمرأة واجباً في الحياة يجب ألا يتجاوزه كل منهم، وبخلاف ذلك تضطرب شؤون المجتمع". وطلبت كاتبة المقال، السيدة عواطف البياتي، 18-7-1949، مجلة العقيدة بالكف عن نشر مثل هذه المقالات، وأن من حق المرأة أن تتعلم وتكتسب الثقافة بشرط أن لا تخرج عن التقاليد والأعراف الاجتماعية. وكان من المألوف أن تنشر بعض الصحف "كالعقيدة"، بعض المقالات عن سلبيات حياة المرأة الأوروبية في ظل المساواة مع الرجل، حيث استشهد كاتب المقال "يوسف سلمان كبة بآراء بعض علماء النفس "يونج" في نقد نزول المرأة إلى ميادين العمل. ومما جاء في مقال الأستاذ يوسف كبة، "ومن آراء العلماء أن المرأة الإنجليزية عندما شاركت الرجل في جميع الأعمال تغيرت صفاتها النفسية.. وأما العلامة "يونج" فيقول أن لا شيء يضر بطبيعة المرأة نفسياً أكثر من قيامها بأعمال الرجل، ويقرر "يونج" أن المرأة الحديثة في حاجة ماسة إلى وعي أوسع مدى في حياتها الحاضرة، لتعرف هدفها كأنثى". وتناولت مجلات وصحافة النجف عموماً قضايا الطلاق والزواج والمشاكل الأسرية في المحاكم، وأكدت بعض الصحف في مقال بعنوان "كنت قاضياً"، جريدة الهاتف 23-8-1940، "أن الكثير من حالات الطلاق وراءها أسباب تافهة يمكن تلافيها بوقت مبكر". وشغلت التحولات الأخلاقية كتاب الصحف النجفية، حيث حذر الكثيرون من تردي الأخلاق العامة وبروز مشاكل لا حصر لها، فيما تولى آخرون التحذير من مثل هذه المبالغات، "فتدني الأخلاق عندنا مبالغ فيه كثيراً، ومن الإنصاف أن نذكر ما لنا وما علينا"، يقول عبد الحليم كاشف الغطاء في مقال بعنوان "نقد أخلاقنا"، 8-11-1948، ويضيف بأنه "لا يزال أثر الأخلاق العربية الحميدة باقياً في النفوس كالشجاعة والصدق والكرم والإباء والوفاء والتضحية والقناعة". ونشرت مجلة "الفرِّي" مقالات لكتاب متحررين مصلحين، ممن تأثروا بالآراء الجديدة سواء أكانت عربية أم أوروبية. وقد استمد الكتاب أفكارهم وخواطرهم من الرقي الاجتماعي والعلمي والعقلي الذي ساد الغرب، فأصبح التجديد لازماً ومهماً لمختلف شؤون الحياة بما ترجم من نتاج فكري وأخلاقي"، كما كتب يوسف سليمان كبة في مقاله عن "مظاهر الحياة في لندن"، يوم 26-7-1949.