في العشرين سنة الماضية أو نيف منذ بدء تزايد الفوضى السياسية بدول جنوب آسيا، يعتبر التغير المشهود الأكثر أهمية في المنطقة هو البروز الواضح للنفوذ السياسي الاجتماعي لأصحاب الإسلام السياسي والأحزاب التي ينتمون إليها أو يدعمونها من خلف ستار في دول كباكستان وبنجلادش والهند. لكن أكثر الدول تأثراً بهذه الظاهرة هي بنجلاديش، وبشكل شبه مؤكد يعد ذلك التأثر تداعياً ربما يكون غير مقصود للعملية التي بدأها الرئيس الأسبق لبنجلاديش ضياء الرحمن الذي اغتيل عام 1981، لإضفاء الشرعية على نظام حكمه والحزب السياسي الذي أسسه وهو حزب بنجلاديش الوطني. أصحاب تيار الإسلام السياسي الذين توجه إليهم ضياء الرحمن لم يكونوا مختلفين عن بقية أقرانهم في البلاد الإسلامية كما قامت في أيامها الأولى. بعض هؤلاء الذين تتم تسميتهم حالياً بـ"الجهاديين" يتبنون استخدام العنف للوصول إلى أهدافهم السياسية، لكن بقية الحركات الإسلامية لم تصل بعد إلى هذه الدرجة من التطرف، أي أن إسلاميي بنجلاديش السياسيين يعتبرون في الغالب معتدلين. أكبر الحركات السياسية الإسلامية في جنوب آسيا هي الجماعة الإسلامية ذات التاريخ الطويل في شبه القارة الهندية، وهو تاريخ يعود إلى عشرينيات القرن العشرين. الجماعة الإسلامية هي أكثر الحركات أهمية وتنظيماً وثقة في النفس، وتدخل في شراكات سياسية مع هذا الطرف أو ذاك خلال العشرين سنة التي مضت وفقاً لمصالحها. من قراءة أدبيات أصحاب الإسلام السياسي في جنوب آسيا يتضح بأن أجندتهم وأهدافهم النهائية لا تختلف في شيء عن أقرانهم في دول العالم الإسلامي الأخرى، فالجماعة الإسلامية مثلاً تسعى إلى الدفع ببرنامجها الاجتماعي عن طريق الاشتراك في السلطة مع الأحزاب الرئيسية في البلاد المعنية، وإلى زيادة نفوذها مع تزايد اعتماد تلك الأحزاب على الإسلاميين. والواقع هو أن تزايد حضور أصحاب الإسلام السياسي ونفوذهم في جنوب آسيا يبعث على الدهشة ويثير مخاوف في عدد من الدول الأخرى حول التداعيات بعيدة المدى لما يعرف بمكافحة الإرهاب. فجنوب آسيا من المناطق الهشة التي توجد مخاوف من أن تصبح إحدى مناطق الدول الفاشلة لو حدثت فيها قلاقل يصعب السيطرة عليها، وهذا يفتح الباب على مصراعيه لكي تصبح مرتعاً خصباً للجماعات الإرهابية. وبالفعل أصبح تنامي نفوذ جماعات الإسلام السياسي في دول جنوب آسيا يثير استغراب عدد من الفئات الاجتماعية الضالعة في الحياة السياسية، بل إن البعض منها ينفي وجود حركة ناشطة لأصحاب الإسلام السياسي في بلادهم. وقد يعود السبب في ذلك إلى أن الفكر الأصولي يتم النظر إليه على أنه يتعارض مع الثقافة السياسية العلمانية في المنطقة ومع الثقافة الشعبية الإسلامية التي تتصف بالتسامح لأنها قامت أصلاً على الحركة الصوفية التي أوصلت الإسلام إلى أعماق دول المنطقة في القرنين السادس والسابع عشر الميلادي. ويلاحظ بهذا الصدد بأنه تحت ضغط من أصحاب الإسلام السياسي أخذت التقاليد الصوفية في فقدان أولويتها في أوساط العامة التي ظلت لفترة طويلة تتقبل الإسلام وفقاً لتلك التقاليد. ويتضح هذا التغير من التفرقة المتزايدة بين الفئات الاجتماعية وبعضها بعضاً. ويضاف إلى ذلك تزايد منتظم لممارسة العنف ضد العناصر المعتدلة والعلمانية، وضد الأفراد الذين يصنفون بأنهم يخالفون العادات الاجتماعية المتشددة التي يفرضها أصحاب الإسلام السياسي، خاصة ضد المرأة. وربما أن الطبيعة الهادئة للسياسات في المنطقة تعتبر جزءاً من هذه المعضلة.