بالنسبة لي دائماً تبدأ 11 سبتمبر مشرقة لتسير في خطى جامدة وروتينية، لكنها في النهاية تتحول إلى نوع من الارتباك والغضب والترقب الغريب، غير أن الجرح الغائر في الجسم الأميركي الذي مثلته هجمات 11 سبتمبر كان كذلك خطاً فاصلاً منح المسؤولين في الحكومة، بمن فيهم أنا، فرصة الالتفاف حول هدف واحد؛ وسواء أكانت الأحداث التي تلت الهجمات على جانب الخطأ أو الصواب، ستبقى في جميع الأحوال جزءاً مهماً من تاريخنا المعاصر. واليوم عندما نتأمل هجمات 11 سبتمبر في ذكراها العاشرة، نستحضر مفاهيم كثيرة عن التسامح وهشاشة الوحدة الوطنية والطبيعة الانتقائية للذاكرة التاريخية... لكن كل هذه الأمور كانت غائبة عندما حصلت الأحداث، إذ تم التعامل معها كأزمة تمس الأمن القومي الأميركي يتعين التعاطي معها دون إبطاء، فقد تمكن عدو بأقل التكاليف من اختراق أميركا وضربها في عقر دارها وأزهق بسبب ذلك آلاف الأرواح، وساهم في خلخلة التوقعات القديمة بحرمة الأراضي الأميركية واستحالة الوصول إليها، فضلاً عما تبع ذلك من اهتزاز اقتصادي، علماً بأن التقدم التكنولوجي والأسلحة المتطورة تشي بأن الهجمات المستقبلية قد تكون أسوأ بكثير من 11 سبتمبر. وفي الرد على الصدمة التي شكلتها الهجمات، بسط بوش في مجموعة من الخطابات والوثائق، التي شاركت شخصياً في صياغة بعضها، استراتيجيته للتعامل مع مرحلة ما بعد الهجمات، وهكذا تحدث في أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية عن "الحاجة إلى استعداد الجيش للضرب في أي زاوية معتمة من العالم". وفي خطاب حالة الاتحاد لعام 2002، أشار بوش إلى سيادة القانون واحترام النساء والمساواة أمام العدالة والتسامح الديني و"مطلب الكرامة الإنسانية غير القابلة للتصرف"... باعتبارها المبادئ الأساسية التي يتعين على الإصلاح في العالم العربي أن يرتكز عليها. وفي استراتيجية الأمن القومي لنفس العام، جعل بوش من التنمية الدولية نواة التصدي للإرهاب قائلاً: "إن الفقر والمؤسسات الضعيفة والفساد تجعل البلدان هشة أمام شبكات الإرهاب وعصابات المخدرات العابرة للحدود". هذه المبادئ مجتمعة شكلت ما بات يعرف بـ"عقيدة بوش". ومع أن الصعوبات التي تعرضت لها تلك المبادئ، بعد الفشل المبدئي في العراق، دفعت المتشككين إلى نعي عقيدة بوش، لاسيما في أوساط الواقعيين الذين انتقدوا السياسة الاستباقية والمثالية الديمقراطية واعتبروا السنوات الخمس التي أعقبت 11 سبتمبر مجرد فترة قصيرة من سيطرة المحافظين الجدد. يبقى في النهاية أن عقيدة بوش أثبتت بعد عقد من الزمن وجاهتها، كما جاءت الأحداث اللاحقة لتؤكد صحتها واعتناقها من قبل إدارة أوباما. ورغم المشاكل الأولى التي اعترضت جهود مكافحة التمرد في العراق، فإنها لم تلغِ مبدأ الضربات الاستباقية، حيث مازال الجيش والاستخبارات الأميركيان ناشطين وفي حركة دؤوبة، وبأوامر من أوباما تتحرك آلاف الطائرات بدون طيار لشن هجمات وضرب أهداف في أفغانستان واليمن والصومال وباكستان، وأُعطيت الأوامر للقوات الخاصة بالتدخل وضرب أهداف دون إعلان مسبق كما حصل مع بن لادن. وفيما يحذر المنتقدون من حرب دائمة، يواصل أوباما حربه السرية في ظل فعالية الجيش وارتياح أميركي عام من العمليات التي تستهدف الإرهاب، بحيث أصبح اليوم من الخطورة بمكان لجهة ما إعلان عدائها السافر لأميركا. والأكثر من ذلك، أثبت الربيع العربي سذاجة الواقعيين الذين ساندوا على مدى سنوات طويلة أنظمة استبدادية في العالم العربي بعدما انهارت عقود من الحكم السلطوي في مصر وتونس وليبيا في غضون ثمانية أشهر. وليس هناك ما يجعلنا نعتقد أن الربيع العربي قد توقف عند محطاته الحالية. ورغم الخطورة التي تنطوي عليها أحياناً الاختيارات الشعبية في الديمقراطية، فمن الواضح حالياً أن الاستبداد مقروناً بالتخلف الاقتصادي يشكلان أساس عدم الاستقرار، وأن المؤسسات الديمقراطية تظل أسلم الطرق لتصريف الاستياء. وبينما تعرضت سياسة بوش لانتقادات شديدة باعتبارها من بنات أفكار المحافظين الجدد، يجب التنويه هنا إلى أن بوش نفسه لم يكن أبداً من المحافظين الجدد، بل إن كل عنصر من عناصر سياسته لم تكن سوى استجابة لظروف وأحداث تاريخية ملموسة تمثلت في مسؤولية حماية الأميركيين من العنف الخارجي، ومعالجة حالة عدم الاستقرار الخطيرة في الشرق الأوسط والحاجة إلى مواجهة الكراهية بالأمل... وبهذا المعنى لم يكن بوش متشدداً من الناحية الأيديولوجية، وحتى عندما جاء أوباما لم يغير كثيراً في السياسة الخارجية، وكل رئيس مهما كان توجهه ستجبره الظروف والأحداث على تبني مواقف مشابهة. والحقيقة أنه خلال العقد الأخير كان الواقعيون من تفوق في الخسارة، فقد عارضوا تدخل أميركا في العراق، وركزوا على السلبيات فيما هم ينعمون بالأمن الدخلي، وفي الوقت الذي راهنوا كلية على استمرار أجواء العبودية في الشرق الأوسط، صدموا صدمة كبرى بعد الربيع العربي. وفيما كانت الحدود الأمنية للولايات المتحدة غداة هجمات 11 سبتمبر لا تتجاوز تخوم البيت الأبيض، وهو ما أخبرني به المسؤولون عندما هممت بدخوله عبر أنفاق سرية، توسعت تلك الحدود اليوم لتصل إلى اليمن وأبوت أباد في باكستان، وهذا أهم إنجاز حققه الرئيسان عندما منعا أميركا من التحول إلى ساحة معركة مرة أخرى. ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج ميديا سيرفس"