مع عودة أعلى أسعار للنفط على الإطلاق منذ أزمة الطاقة التي حدثت في مطلع الثمانينيات، تنطلق صيحات تحذير متزايدة من أن نفط العالم آخذ في النفاد. ويتوقع البعض أن السعودية وصلت إلى حد النضج كدولة منتجة، وأن إنتاجها سيتناقص. ويستشهد البعض بمنحنى "هيوبرت" الذي يفترض أنه تم استخراج أكثر من 50% من احتياطيات العالم النفطية، وأن الناتج النفطي سيتناقص حتماً.
ولن يحدث نفاد للنفط من العالم قريباً، لكن هناك سبباً وجيهاً يدعو إلى إطلاق التحذيرات. وما يتناقص في العالم الآن هو الطاقة الإنتاجية. فهناك الكثير من النفط، لكننا لا نستطيع استخراجه من الأرض. ومن المهم هنا أن نفهم شيئاً من التاريخ لكي ندرك المشكلة جيداً.
منذ ستينيات القرن العشرين وفي أثناء أزمة الطاقة في عقد الثمانينيات، تمت إعادة هيكلة الصناعة النفطية. فهناك شركات نفط غربية دولية كانت تسيطر على الاحتياطيات والإنتاج في كل مكان باستثناء الاتحاد السوفييتي والمكسيك، وبعدئذ تمّ تأميم موجوداتها الأكبر حجماً بقرارات من الحكومات في بلدان مثل السعودية والكويت والعراق وإيران وفنزويلا. وأنشأت هذه الحكومات شركات النفط الوطنية لإدارة مواردها. والشركات الوطنية هي هيئات حكومية مسؤولة أمام حكوماتها أولاً، وأمام الأسواق الدولية ثانياً.
وفي سياق الرد، اشتدت المنافسة بين الشركات الدولية مع تركيزها على الاستكشاف في أماكن كان ما يزال مسموحاً فيها بالاستثمار، ومنها الولايات المتحدة وكندا وبحر الشمال وأستراليا. وقامت هذه الشركات بتنويع الإنتاج النفطي العالمي إلى أقصى درجة ممكنة لها. ومع تطوير التكنولوجيا المتقدمة، تحركت هذه الشركات نحو استخراج النفط من المياه العميقة، ولا سيما في خليج المكسيك وقبالة سواحل أفريقيا الغربية. وحاولت تلك الشركات أن تدخل كلّما تمّ فتح منطقة بترولية جديدة للاستثمار، كاليمن وكولومبيا وبحر قزوين وروسيا. وكانت المخاطر الفنية والسياسية هائلة، وهكذا أخفقت بعض الاستثمارات الضخمة.
وتقاوم الصناعات النفطية المحلية في هذه البلدان، وهي في العادة شركات وطنية، وجود الاستثمارات الأجنبية الدولية. ذلك أنها لا تريد وجود منافسة ولا ترغب في مشاركة غيرها في العائدات النفطية. وعندما كانت أسعار النفط منخفضة وكانت الحكومات تحتاج إلى المال- كما حدث في عقد التسعينيات- تم السماح بدخول بعض الاستثمارات الأجنبية إلى بلدان معينة، وجاء ذلك في أغلب الأحيان على رغم اعتراضات الشركة الوطنية. وأدى ذلك إلى تحقيق زيادة ضخمة في الإنتاج. وباتت أسعار النفط الآن مرتفعة، وباتت معظم الشركات الوطنية الآن قادرة على تلبية المتطلبات المالية لحكوماتها دون وجود استثمار أو تدخل أجنبي.
وبات الاقتصاد العالمي يواجه الآن حالة توجد فيها احتياطيات ضخمة- وهي أكبر مما كان في عام 1985- لكن في أماكن يصعب فيها استخراج الاحتياطيات. وصناعة النفط الدولية هي النشاط التجاري الوحيد في العالم الذي يكون فيه الرأسمال العالمي غير قادر على الاستثمار في الإنتاج النفطي الأقل تكلفة والأكثر كفاءة. وتوفر شركات النفط الوطنية نحو 60% من إنتاج العالم لكنها تسيطر على 87% من الاحتياطيات، وهي حصة من المؤكد أنها ستتزايد. ويشير معظم المعلقين إلى أن حصة متزايدة من النفط الأميركي ستأتي من عدد أقل من البلدان، ومنها مثلاً السعودية والعراق. وفي حال واصلت هذه البلدان الحفاظ على مستويات إنتاجها أو حتى إذا قامت بزيادته كما نتوقع نحن، فستبقى هناك مشكلة جوهرية هي رفع الطاقة الإنتاجية إلى حد يكفي لتلبية المتطلبات العالمية المتزايدة. ومن ذلك على سبيل المثال أن الإنتاج النفطي السعودي من المرجح أن يتزايد بمقدار لا يتجاوز 3 ملايين برميل يومياً على مدى السنوات العشر القادمة؛ غير أن الطلب على النفط في أنحاء العالم، والذي يدفعه الاستهلاك في كل من الولايات المتحدة والصين، من المتوقع أن يزداد بمقدار15 مليون برميل يومياً.
وتتفاوت مقدرات شركات النفط الوطنية تفاوتاً واسعاً بين الدول. فهناك دول تتمتع شركاتها الوطنية بكفاءة الشركات الدولية، ولها إدارة ممتازة وعمليات فعالة. وهناك شركات تفتقر إلى الرأسمال والمهارات المتطورة المطلوبة لإدارة الاحتياطي والمحافظ الاستثمارية. وإضافة إلى ذلك، من الممكن أن يشتمل استكشاف الاحتياطيات الجديدة على مخاطر ضخمة، وهو ما لا ترغب معظم حكومات العالم في تأييده، هذا في حين أن الشركات الدولية تكون مرتاحة تماماً بوجود هذه المخاطر.
وفرضية منحنى هيوبرت هي فرضية صحيحة، لكن ما ليس صحيحاً هو الخلاصة التي تقول إن الهبوط في الإنتاج النفطي العالمي قد بدأ حتماً. ويصحّ اعتماد تحليل منحنى هيوبرت في المناطق التي تم فيها إجراء عمليات الاستكشاف التجاري الكامل، لكن هناك ثقلاً وأهمية لعوامل أخرى في مجالات كثيرة. ومن الصحيح أن هناك تناقصاً في الإنتاج النفطي في معظم أصقاع الولايات المتحدة وكندا وبحر الشمال، حيث كانت عمليات الاستكشاف والإنتاج شاملة واستنزافية.