لم يكن الأسبوعان الأخيران من شهر أغسطس هادئين في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث وقع زلزال في 23 من الشهر أدى إلى تدمير بعض المعالم كان أبرزها الكاتدرائية الوطنية، ثم تلاه الإعصار" إيرينا" الذي أدى إلى دمار واسع النطاق في المقاطعات المجاورة، وانقطاع التيار الكهربائي في العديد من المساكن، وإغراق العديد منها، كما تجمعت أعداد كبيرة من المحتجين خارج أسوار البيت الأبيض. وقد شارك الآلاف في حملة باتساع الولايات المتحدة تهدف إلى إقناع أوباما باستخدام حق "الفيتو" للاعتراض على مشروع خط أنابيب" كي ستون إكس إل" الذي سينقل البترول من"ألبيرتا" في كندا إلى معامل التكرير في تكساس. وإذا ما تم استكمال هذا الخط فسيبلغ طوله 1982 ميلاً وسيعبر مساحات من الأراضي في كل من الولايات المتحدة وكندا ما تزال على حالتها الطبيعية الأصلية، ولم تمسها أضرار بيئية، وهي أراضٍ تشمل جزءاً من خزان "أوجالا" المائي الصخري في ولاية نبراسكا. ومن بين أولئك الذين قبض عليهم بتهمة العصيان المدني خارج البيت الأبيض "جيمس هانسن" رئيس معهد "جودارد" التابع للإدارة الوطنية لعلوم الفضاء (ناسا)، و"ناعومي كلين" المؤلفة الكندية المعروفة، و"داريل هاناه" الممثلة الشهيرة. ويشعر هؤلاء وكثيرون غيرهم من الناشطين في المجال البيئي بالقلق، لأن أوباما في خضم أزمة اقتصادية ومالية طاحنة، وحاجة ملحة إلى خلق الوظائف، سيوافق على المزيد من القوانين والتدابير التنظيمية التي تتسم بقدر كبير من التساهل، بشأن تطوير الطاقة والإنتاج الصناعي. وهذا الموضوع على وجه التحديد سيكون كما يتوقع كثير من المراقبين من الموضوعات الرئيسية ذات التأثير الكبير في موسم الانتخابات القادم، الذي سيجد فيه أوباما نفسه في خضم العديد من الصعوبات والمشكلات التي قد تنعكس على حظوظه في تلك الانتخابات. ومن ضمن أسباب الانزعاج بالإضافة إلى ذلك أن البيئيين قد نظروا إلى أوباما على أنه صديق لحركتهم أثناء حملته الانتخابية لعام 2008، كما أنه، بعد أن دخل البيت الأبيض، بدا أكثر دعماً لجهود المحافظة على البيئة والبحث عن مصادر جديدة للطاقة مقارنة بسلفه في المنصب بوش، الذي كان ينظر إليه على الدوام على أنه سليل أسرة من كبار الأسر العاملة في مجال البترول في ولاية تكساس. ولكن الحال أن خلق الوظائف بات هو الأولوية الأولى، إذا ما جاز التعبير، للحزبين السياسيين الكبيرين في الولايات المتحدة، وهو موضوع سيطرح عديداً من المشكلات في المدى القصير على الأقل وخصوصاً بالنسبة لأولئك الذين يريدون الحصول على المزيد من الدعم لمشروعات الطاقة المستدامة. فبعد كل شيء ما تزال هناك كميات كبيرة من البترول والغاز والفحم في باطن الأرض سواء في شمال أميركا أو في أماكن أخرى في مختلف مناطق العالم. ولكن تكلفة استخراج هذه المصادر من الطاقة تزداد على الدوام كما أن الجهد المطلوب لاستخراجها يزداد صعوبة بشكل مستمر. ولكن طالما ظلت أسعار البترول مرتفعة، فإن الحافز لاستخراجه سيظل قائماً مهمّاً كانت الصعوبات. والحقيقة أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى إبطاء عملية استخراج البترول، وخصوصاً الأنواع ذات الكثافة الثقيلة منه مثل ذلك الموجود في ولاية "ألبيرتا" في كندا، أو يؤدي لإيقاف تطوير عمليات الاستخراج في الأراضي الكندية، هو تغير الأحوال وظروف السوق البترولية ما يؤدي لارتفاع السعر أو انخفاضه. فتكلفة إنتاج البترول الثقيل سترتفع ويصبح هذا الاستخراج غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية إذا ما دخل العالم في فترة جديدة من الركود، الذي سيؤدي إلى تخفيض الطلب على البترول ويؤدي بالتالي إلى انخفاض أسعاره، ويجعل استخراجه مسألة غير اقتصادية لأن تكاليف الاستخراج يمكن أن تقترب من أسعار البيع أو حتى تفوقها في بعض الحالات، إذا ما طالت فترة الركود وهبطت أسعار البترول إلى مستويات دنيا قياسية مما يجعل كثيراً من الشركات العاملة في ذلك المجال تحجم عن استخراجه أو تعيد النظر في مشروعاتها الرامية إلى التوسع. يشار في هذا السياق إلى أن الاقتصاد الأميركي بات على وشك الدخول فيما يعرف بمرحلة الركود المزدوج (الركود الذي يعقبه تعافٍ لفترة قصيرة ثم عودة مرة أخرى إلى الركود). و إذا ما حدث ذلك فإن هناك احتمالاً لأن يؤدي إلى إحداث حالة مماثلة من الركود في أوروبا وربما في آسيا أيضاً. وبصرف النظر عما يحدث في الولايات المتحدة، فإن هناك مخاوف متزايدة من أن تكون وتيرة نمو الاقتصاد الصيني قد وصلت إلى مستوى خطير يهدد بتعريض ذلك الاقتصاد لمتاعب وصعوبات كبرى في العام المقبل أو نحوه. ويعني هذا أن أسعار البترول ستهبط نتيجة لانخفاض الطلب مما يؤدي إلى تأجيل العديد من مشروعات التوسع في الإنتاج النفطي بالفعل، مثل خط أنابيب كيستون على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن يتعافى الاقتصاد من وعكته ويعود إلى حالته. وفي الوقت نفسه سيكون لدى كل من مؤيدي، ومعارضي، إنتاج البترول الثقيل الكثير من الوقت الذي يمكنهم فيه حشد المزيد من الحجج المؤيدة أو المعارضة لإنشاء خطوط الأنابيب في المناطق المختلفة. ومشكلة أوباما أن المحتجين الذين تجمعوا خارج أسوار البيت الأبيض، والذين تم القبض على أعداد منهم بتهمة العصيان المدني، كانوا هم على وجه التحديد تلك النوعية من الناس التي يعود لها الفضل الرئيسي في نجاح حملته الانتخابية عام 2008 ووصوله للبيت الأبيض في العام التالي. فبدون حماس ومثالية الجيل الصاعد من السكان وفي مقدمته نشطاء البيئة، فإن حظوظ أوباما في الفوز بفترة رئاسية ثانية ستتقلص إلى حد كبير.