لا يزال ما يحدث في ليبيا أو سوريا يتصدر الإعلام العالمي. لكن تراجعت هذه الصدارة بعض الشيء مع إعصار "إيرين" الذي جلب الكثير من الدمار للساحل الشرقي في الولايات المتحدة من شمال ولاية كارولينا ونيويورك وحتى أجزاء من كندا، كذلك تنافس هذه الصدارة الأزمة الاقتصادية والارتفاع الجنوني لأسعار الذهب. ستستمر هذه البنود في المنافسة على الاهتمام الأقصى سواء في نشرات الـCNN أو الـBBC أو في قناة "فرنسا 24”. ومع ذلك يفكر الشارع الأميركي الآن فيما حدث له منذ عقد كامل، أي بالهجومين الانتحاريين في سبتمبر 2001 على كل من نيويورك ومبنى "البنتاجون" بالقرب من وسط مدينة واشنطن، أو ما يعرف بـ 9/11، أي الحادي عشر من سبتمبر، والذي اتُّهمت بالقيام به منظمة "القاعدة"، ثم اعترف بذلك أسامة بن لادن في سنة 2004، فخوراً بهذا الانتصار ضد القوة الأعظم في العالم. أتذكر هذا الـ9/11 بوضوح شديد كأنه حدث بالأمس، بالرغم من أنني كنت بعيداً عن موقعه بآلاف الكيلومترات، كنت في مكتبي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ثم سمعت صوت هتافات وتصفيق تأتي من كافتيريا الجامعة، حيث شعر معظم الطلبة بالفرح التلقائي إزاء الهجوم على رموز القوة الأميركية. لم يعرف معظم الشباب في ذلك الوقت مَن قام بهذا الهجوم، وما هي دوافعه، ولكن شعورهم العفوي كان نوعاً من الشماتة، الانتقام من أميركا التي كانت سياستها في المنطقة تستفز شعورهم طوال الوقت، ليس فقط بسبب إسرائيل والكيل بمكيالين، ولكن لوقوف ساسة واشنطن ورجال أعمالها بجانب معظم النظم الديكتاتورية في المنطقة بالرغم من كل أحاديثها في الدفاع عن الديمقراطية. أتذكر أيضاً أن كثيراً من زملائي الأجانب اندهشوا أن يحدث هذا الترحيب، ومن داخل الجامعة الأميركية. بمجرد انتهائي من الحديث مع بعض طلبتي، أسرعت إلى المنزل لمتابعة الأخبار ومعرفة المزيد، ولما رأيت صور اصطدام الطائرات ببرجي مركز التجارة العالمي وتكرار هذه الصورة للمرة الرابعة أو الخامسة، كنت أذكّر نفسي بأن هذا ليس فيلماً سينمائياً، بل هي الحقيقة على أرض الواقع. تتابعت الأحداث سريعة بعد ذلك: محاولة إخفاء الرئيس الأميركي بوش ومتخذي القرار في مكان آخر، قرار إغلاق البورصة الأميركية لمدة أسبوع كامل تقريباً: أي من يوم الثلاثاء الذي حدث فيه الهجوم وحتى يوم الاثنين الذي يليه، إحصاء الخسائر البشرية، بالإضافة إلى 19 فرداً قاموا بهذا الهجوم الانتحاري، فهناك ما يقرب من 3000 من الموتى كانوا ضمن الموجودين في البرجين آنذاك بالإضافة إلى 343 من رجال المطافئ، 60 فرداً من بوليس نيويورك، و8 من العاملين في الطوارئ الطبية. ثم بدأ الحديث عن الخسائر الاقتصادية، وفي مقدمتها هذان البرجان بتكلفة بلايين الدولارات، وتحطيم اقتصاد منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك، هذا الحي الفخم الذي يقطنه أغنياء الولايات المتحدة وحتى الكثير من أغنياء العالم، وكذلك يتصدره مقر الأمم المتحدة. ثم جاءت إليّ بعض الأخبار من زملائي الأميركيين وغير الأميركيين الموجودين في الولايات المتحدة، عن الآثار السيكولوجية أو النفسية: كيف أن بعض الأميركيين-خاصة كبار السن- مصابون بالأرق وحتى أنهم يستيقظون أثناء الليل مرعوبين من أن تخترق إحدى هذه الطائرات الانتحارية غرف نومهم، لتكرار مأساة برجي نيويورك! بالنسبة لنا نحن هنا في المنطقة العربية وخاصة لطلابي دارسي علم السياسة- كان اهتمامنا الأكبر هو بالآثار السياسية لهذا الهجوم، توقعنا بالطبع أن ترد أميركا بكل قوتها على هذه المهانة التي تشعر بها من جراء اختراق نظامها الأمني في المطارات وحتى في مبنى وزارة الدفاع، من جانب 19 فرداً لا يمثلون جيش دولة عظمى، بل جزءاً من منظمة غير حكومية مثل منظمة "القاعدة"، وصدق شعورنا هذا عندما حشدت الولايات المتحدة ترسانتها الحربية -وتأييد حلفائها- لغزو أفغانستان وأسْر أسامة بن لادن -حياً أو ميتاً (وتم اغتياله أخيراً في مايو 2011- أي بعد ما يقرب من عشر سنوات)، وبالطبع أيضاً التخلص من حكم "طالبان". واستمر تعاقب الأحداث من غزو العراق في مارس 2003 إلى شعبية نظرية "صدام الحضارات" وزيادة الإسلاموفوبيا. بعد عشر سنوات، لا يزال 9/11 حادثاً مفصلياً في التاريخ المعاصر، ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة ولكن للعلاقة بين بعض المسلمين والغرب، وما الضوضاء المحيطة ببناء مركز إسلامي بالقرب من موقع برجي التجارة العالمي في نيويورك، إلا مؤشراً إضافياً على هذه العلاقة المضطربة، وسيستمر هذا الجدل بما فيه من تشويه صورة الإسلام والمسلمين. بقي أن نذكر أنه في استطلاع للرأي في 17 بلداً في سنة 2008، لا يزال يعتقد حوالي 15 في المئة أن منظمة "القاعدة" لم تقم بهذا الهجوم الانتحاري، بل قامت به الولايات المتحدة أو إسرائيل، من أجل غزو أفغانستان والعراق والسيطرة على مصادر النفط، وقد تستمر "نظرية المؤامرة" في ضوء معلومات جديدة عن 9/11 في العقد القادم عندما نستعد للذكرى العشرين لهذا الحادث الخطير بكل المقاييس.