.. وهكذا مضت تسعة أشهر على الحراك الثوري العربي بعد أن صبغ هذا العام المميز والمختلف الذي سيثبت التاريخ العربي المعاصر أنه كان عام بداية تشكيل وصياغة نظام عربي جديد. فقد غيّر هذا العام كثيراً من المعطيات والكليشيهات والمفاهيم عن العرب كانت سائدة لدى الآخرين، والأهم لدى العرب أنفسهم عن أنفسهم. والواقع أن الحراك الثوري يدعم بعضه بعضاً، ويسانده الحماس الشعبي، والزخم الإعلامي الذي يغطيه ويشكل القوة الدافعة له. والراهن أن حصاد الحراك الثوري العربي الأولي الذي تعرض لموجات من المد والجزر، عاد بعد سقوط القذافي ونظامه ليكتسب المزيد من الدفع. بعد أن تعثر في بلدان الحراك الثوري الأخرى وخاصة في سوريا واليمن. والحال أن حراك الثورات ومآلاتها وختامها المرجو يأتي ضمن الاستحقاقات المهمة التي سيقررها هذا الخريف الفاصل في منطقتنا العربية، ولاشك أن من اللافت أن نجاح الحراك الثوري العربي لم ينجح في أن يحقق اختراقاً خارج شمال إفريقيا، وخاصة أننا نلحظ أن الدول الثلاث التي سقط رؤساؤها حتى الآن هي دول متجاورة جغرافيّاً، من تونس، إلى مصر، فليبيا، على رغم عدم حسم المشهد الليبي بصفة نهائية كاملة بحكم بقاء بعض فلول القذافي الذي يكابر في حالة إنكار للواقع بزعمه الإصرار على القتال ورفض الاستسلام. إلا أن الاستحقاقات الدستورية والسياسية في ليبيا، وقبلها في تونس ومصر، تمر الآن في أحوال مخاض بانتظار انتخابات مجالس تأسيسية وصياغة دساتير ومجالس برلمانية منتخبة، بناءً على تعددية حزبية دون إقصاء أو تهميش للقوى السياسية والأقليات. والتحدي الأكبر أمام كل الأنظمة التي انتفضت، وهي تنتظر تلك الاستحقاقات المهمة، هو في كيفية التصالح مع شعوبها. وكيفية الاستجابة للسقف العالي من المطالب والإصلاحات ودعوات المحاسبة. وكيف يمكن التعامل مع قوى التغيير التي تبقى بلا قيادات واضحة، بل تبدو في الصورة أساساً قوى شعبية ترفع تطلعات شعبية متفاوتة تحركها مطالب الكرامة والمسألة السياسية وفرص العمل والحلم بغد أفضل، وضرورات ترتيب العلاقة مع الجيران، ومع بقية العالم في الشرق والغرب؟ لقد أصبح ميدان التحرير في القاهرة، وساحات وميادين التحرير والشهداء في تونس وطرابلس وصنعاء وغيرها، هي المكان الذي يُبايع فيه الرؤساء الجدد وأنظمتهم الصاعدة ليحصلوا على الشرعية، أو ترفع فيه شعارات الاحتجاج على وزراء وسياسات ومواقف غير مستساغة أو غير شعبية قد تقررها الدول. وقد رأينا تجليات ذلك في ميدان التحرير في القاهرة وحصار السفارة الإسرائيلية فيها، والمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي، وحتى إلغاء معاهدة كامب ديفيد، وهو ما لا تريده المؤسسة العسكرية الحاكمة في مصر. والتحدي الحقيقي اليوم أمام تلك الأنظمة هو كيف تحكم شعباً تمرد وشب عن الطوق وكسر حاجز الرهبة والخوف؟ ثم كيف تدمج وتجمع الأنظمة الجديدة، بمؤسساتها الدستورية، الفئات المتصارعة وخاصة القيادات والشخصيات والمسؤولين السابقين في الأنظمة التي سقطت. لقد كتبنا في هذه المساحة مراراً أن الثورات العربية لم تُسقط أي نظام عربي بعد. ونكررها اليوم، ونذكّر بأن الحراك الثوري العربي لم يسقط أي نظام عربي بكل منظومته السياسية حتى الآن. فالمؤسسة العسكرية لا تزال هي الجهة التي تحكم في مصر وتشرف على واقع البلاد وتخطط لمستقبلها بكل استحقاقاتها. وبعض رموز النظام لا تزال منهم من يحكم في تونس ويُشرف على استحقاقات مستقبل النظام السياسي البديل قيد التشكيل هناك. وفي ليبيا يلاحظ أن بعض من عمل مع النظام السابق هم من يدير دفة الدولة بدعم وغطاء عربي وغربي مع رفع العقوبات والقيود وفك الأرصدة المجمدة، حيث رفعت القيود عن 15 مليار دولار من أرصدة الدولة الليبية في مؤتمر "أصدقاء ليبيا" الذي عُقد في باريس الأسبوع الماضي، مع التسابق الغربي، وخاصة من قبل شركات النفط، للحصول على موطئ قدم في القطاع النفطي الليبي الجذاب. وكل ذلك يتفاعل مع بقاء التزام "الناتو" وعملياته لحماية الشعب الليبي حتى بعد سقوط نظام القذافي لأن بعض فلوله ما زالت تقاتل في معركة حُسمت سلفاً فيما يكابر هو ويرفض الإقرار بالواقع، مفضلاً العيش في حالة إنكار للحقيقة الماثلة، سادراً في أوهامه متجرعاً الذكرى الثانية والأربعين لانقلابه في الفاتح من سبتمبر 1969. وفي المجمل يبقى التحدي الحقيقي اليوم على طريق الاستحقاق في الدول التي أسقطت قادتها، وفي من تنتظر دورها، هو ماذا تعلم القادة الجدد في دول الربيع العربي من الدرس العراقي؟ فقد وقع العراق في فخ الإلغاء عندما قام "بول بريمر" الحاكم المدني الأميركي، بإقصاء واجتثاث البعثيين، وحل الجيش والقوات المسلحة، مما ترك فراغاً أمنيّاً ساهم في مفاقمة وتردي الأوضاع اللاحقة. واليوم يعترف الجميع، حتى الطرف الأميركي، بأن ذلك القرار كان أحد أسباب زيادة حدة العنف وعدم الاستقرار وتأجيج الصراع الطائفي والإرهاب الذي دفع العراق لسنوات ثمناً باهظاً له. واليوم يظهر هذا التحدي مجدداً في مصر وتونس وليبيا. هل سيُجتث ويُلغي ويُهمش القادة الجدد القيادات والنخب السياسية والعسكرية والثقافية في الأنظمة البائدة؟ أم أنه سيتم استيعاب الدرس العراقي ونتائج الإلغاء والاجتثاث من قبل الأنظمة الجديدة التي تبقى، بطريقة أو بأخرى، امتداداً للأنظمة التي سقطت رؤوسها وبقيت أجسادها؟ وفي المحصلة النهائية فإن طريقة الاستجابة لتحديات هذه الاستحقاقات المهمة، بكل ما تحمله من واقع وأمل وبذور تفتيت، وحتى فشل، هي من سيقرر واقع ومستقبل الحراك الثوري ومستقبل الربيع العربي بصفة عامة، وسيعزز بالتالي زخم وقوة دفعه، أو يطفئ وقود الحراك الثوري العربي في الدول التي أسقطت رؤوس الأنظمة وتلك التي لا تزال ثوراتها تشتبك مع الأنظمة الرافضة والمقاومة للتغيير وخاصة في سوريا واليمن، وفي دول أخرى تنتظر حراكاً ثوريّاً قد يتأخر أو لا يأتي، وكل ذلك رهن بالاستحقاقات المنتظرة والمأمولة. وفي كل الأحوال فإن نجاح تلك الاستحقاقات مهم لمستقبل دول الحراك الثوري، وبالتالي لواقع ومستقبل النظام الإقليمي العربي البازغ، وإن كان لا يزال قيد التشكل.